مجد الشنطي: ريادي من غزة يبتكر منصة “مزيج” ليحول الفن إلى فعل صمود

خراريف فلسطين - تعرِفُ خوارزمية منصة “فيسبوك”، اهتمامي بكل ما هو مصنوع بأيدٍ فلسطينية، وبين الحين والآخر تراها تعرض لي إعلانات لمنتجات يدوية من أجل شرائها، لفت انتباهي مؤخراً إعلان يروج لكوب، وضعت عليه أيقونة فتاة ترتدي الثوب الفلسطيني، كأنه تحفة فنية “مصنوعة من الصلصال الحراري”، كان جميلا جدا، فدفعني لزيارة الموقع الإلكتروني.

وإذ بها منصة تعرض منتجات يدوية مصنوعة بحرفية عالية، بطريقة تمزج التراث بالحداثة فمثلا: لم يعرضوا على الموقع ثوبا فلسطينيا، ولكن عرضوا “تي شيرت” مطرز عليه بطريقة رائعة، وأيدي حقائب مطرزة تمكننا من استبدال يد أي حقيبة لدينا بيد أخرى مصنوعة من التطريز الفلسطيني الجميل.

اسم المنصة “مزيج” وفيها فعلا مزيج جميل من الفن والهوية والعمل اليدوي، لم أستطع أن أمر عليه مرور الكرام، دون أن أعرف من صنع كل هذا الجمال؟ تواصلت معهم، لأتفاجأ بالإجابة، وتحولت من زبونة إلى صحفية تبحث عن أصل الحكاية.

توقعت في البداية أنها فتاة، فنحن أكثر اهتماما بهذه التفاصيل عادةً، ولكنها لم تكن كذلك، كان الشاب مجد الشنطي، عمره ٢١ عاما فقط، وهو من غزة! صدمت بالإجابة!

كيف يروج شاب من غزة لمنتجات تراثية في الضفة الغربية، بينما غزة محاصرة ومعزولة عن العالم، وخرجت للتو من حرب إبادة استمرت عامين، ولا يزال أهلها محرومون من الكثير من المنتجات التي لم يسمح الاحتلال بمرورها بعد!

رجل أعمال منذ عمر ١٧ عاما

لأتفاجأ بأن مجد، رجل أعمال وهو بهذا العمر الصغير، أطلق موقع “مزيج” عام ٢٠٢٢، كان حينها لا يتجاوز ١٧ عاما، لتكون منصة تسويقية لمنتجات النساء الغزيات الرائعات، اللواتي أبدعن في اختراع أدوات الصمود لهن ولعائلاتهن، طوال فترة الحرب.

مجد الذي ذكرني بحكاية موقع “أمازون” وغيرها من المواقع العالمية، لتشابه فكرته الريادية بأفكار هذه المواقع هو في الأصل مصمم جرافيكي، ودرس التسويق الرقمي في إحدى جامعات غزة، ولكنه قبل ذلك كان يعمل مع شركات اوروبية ويرسل تصاميمه لها حتى قبل وصوله مرحلة الثانوية العامة، هكذا هم شباب غزة يفاجئون العالم دوما بإبداعهم.

قبل إطلاق المنصة كان مجد يعمل على ثلاثة منتجات يدوية فقط، ويروج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي،وكانت المنتجات مستوحاة من ثلاثة حرف وهي الرسم على الأكواب، والتطريز، والكروشيه، ثم فكر بتطوير منصة “مزيج”، التي أتاحت له الفرصة لعرض عدد أكبر من المنتجات اليدوية والتسويق لها داخل وخارج فلسطين.

المنصة أوصلت منتجات غزة إلى كل العالم

يقول مجد إن المنصة قبل الحرب كانت تروج لأربعين منتج يدوي، وتشغل ثلاثين سيدة من غزة معها، حيث تشتري منهن البضاعة ثم يقوم هو بإعادة بيعها للعالم “جملة ومفرق”.

أسس مجد نظاما مكنه من ترويج منتجاته ليس في غزة فحسب، بل في الضفة أيضا، فكانت المنتجات تقطع الحواجز وتصل الضفة الغربية، عبر أشخاص شغلهم مجد معه ليكونوا أشبه بذراع تسويقي مساند من هناك، يستلمون البضاعة كل ثلاثة أيام ويقومون بتوزيعها بناء على طلبات الزبائن التي وردت على المنصة، وبرسوم توصيل رمزية جدا، كان الأمر أشبه بالحلم، ولكن ذكاءه التسويقي ساعده على تجاوز الكثير من العقبات، فكثر لم يصدقوا أن المنتجات تأتي فعلا من غزة وتكسر هذا الحصار والبعد الجغرافي الذي خلقه الاحتلال، وتسلم لأصحابها في كل مدن الضفة الغربية، ودون تأخير.

ولم يكن مجد يتعامل مع “مزيج” كوسيط بين المنتج والمستهلك فحسب، فقد أخذ على عاتقه أيضا مسؤولية الانتاج بحد ذاتها، وكان يسعى دوما مع النساء اللواتي يرفدن المنصة بمنتجاتهن، إلى تطوير كل منتج ليكون بأعلى جودة ممكنة، فغزة لا تصدر للعالم إلا الجمال والإبداع.

ويؤكد الشنطي أن الأمر لم يكن سهلا أبدا، فقد كان المشروع يخسر في بدايته، حتى يكفل جودة المنتج، ثم ذهب إلى تزويد النساء أحيانا بالمواد الخام حتى يضمن مواءمة المنتجات النهائية مع المعايير المطلوبة، خاصة أن المنتجات تصدر أيضا للخارج.

في عام 2023، بدأت “مزيج” بالانتشار بشكل أوسع، صارت المنتجات تُوزَّع بشكل أكبر للمحلات في الضفة الغربية، والقدس، والداخل الفلسطيني، وحتى خارج البلد، والجودة كانت عالية جدًا، حتى أن أي قطعة تصل وفيها أي مشكلة كانت تُعاد فورًا ويُستبدل بها غيرها.

الحرب دمرت المشروع وتركت ٣٠ عائلة بلا مصدر رزق

ثم جاءت الحرب، فأوقفت الحلم وتركت ثلاثين عائلة على الأقل، وثلاثة شباب يعملون في إدارة المنصة، إضافة إلى شركة تسويق ومتعاونين في الضفة، تركتهم جميعا بلا مصدر رزق.

توقّف المشروع بالكامل حتى نيسان 2024، ووصل الإنتاج إلى الصفر، بل وأكثر من ذلك، فالأماكن التي كانت تخزن وتُعرض فيها منتجات “مزيج” داخل غزة دُمّرت بالكامل، ضمن مربّعات سكنية نسفها الاحتلال آنذاك.

مجد الذي كان يقطن مع عائلته في شمال غزة خلال الحرب، حيث ارتكب الاحتلال هناك أبشع أشكال الجرائم والتنكيل بالبشر والحجر والشجر، عاد من رجل أعمال إلى غزيّ يبحث عن النجاة من النار والمجاعة، كان مقطوعا عن العالم لفترات طويلة، وبلا انترنت في ظل الحرب، لم يكن هناك أي تواصل مع العالم الخارجي، كان فقط يبذل محاولاته للبقاء على قيد الحياة مع عائلته.

حتى أنه حوصر مع عائلته قرب مستشفى الشفاء لمدة اثني عشر يومًا، دون نوم كافٍ، دون طعام، ودون إنترنت، وخلال الحرب فقد عددًا من الأحباب، وعاش مواقف متكررة كاد أن يفقد فيها حياته، ولكن كتبت له النجاة.

بذكائه كسر الحصار

ثم بعد ستة شهور، تمكن مجد أخيراً من الحصول على شرائح اتصال، وبدأ يعيد الحياة إلى “مزيج” ويتواصل مع الزبائن في الضفة والخارج ولو بشكل محدود، وفيما غزة تحت النار، كان لا بد للأمل أن يظل قائما، فأعاد مجد دورة العمل، ولكن هذه المرة بالتعاون مع سيدات في الضفة، تحدد لهن مزيج المعايير المطلوبة للعمل فيقمن بتنفيذها ومن الضفة أيضا تصدر المنتجات إلى العالم.

عملية تتم بالكامل عن بعد، في ظل انعدام الفرصة لمواصلة دورة حياة المشروع من غزة، ولكن الخسارات التي تكبدها مجد نتيجة تدمير مخازن المنتجات، وحاجة النساء في غزة إلى مستحقاتهن، دفعته لمواصلة العمل بهذا الشكل، فبعد أن كان المشروع في طور التوسع والانتشار في العالم كله، بات يبحث عن فرصة للبقاء والصمود، خاصة وأن الوضع الاقتصادي أيضا في الضفة الغربية صعب جدًا، وأقل استقرارًا مما كان عليه قبل الحرب، ما يشكّل تحدّيًا إضافيًا.

رغم ذلك، تستمر المنصة في العمل، وتتولّى بنفسها التواصل مع الزبائن، والإنتاج، والتسويق، وحاليًا تمتلك “مزيج” أكثر من 20 ألف متابع على إنستغرام، مجرّد إعلان واحد كفيل بجذب متعاونين جدد، وفي بعض الأحيان، يكون المتعاونون أصحاب مشاريع خاصة قائمة بذاتها، ولا ترى المنصة في ذلك أي مشكلة، فالجمهور الأساسي لـ”مزيج” هو من خارج فلسطين، كما تتعامل المنصة مع محلات خارج البلاد بنظام البيع بالجملة.

مزيج ليس مجرد مشروع ريادي، ولا منصّة لبيع منتجات يدوية فحسب، بل محاولة شاب غزّي في عمر 21 عامًا أن يحوّل الفن إلى وسيلة بقاء، وأن يصرّ على تحريك عجلة الإنتاج في زمن يُراد فيه لكل أشكال الحياة في غزة أن تتوقف، وتعلن الاستسلام.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم