فراقٌ قسري.. عن احتلال مشاعرنا

خراريف فلسطين - أحبت صديقتي الهولندية، شابا من كينيا (دولة افريقية)، تفصلها عن هولندا ٧ آلاف كم، لم يجدا أي مشكلة في الارتباط معا، كان الأمر سهلا للغاية، في بلد مثل هولندا يتمتع فيها الإنسان بحقوقه الكاملة في الحب والحياة..

ونحن نتحدث عن الحب، تذكرت كل أولئك المقدسيات اللواتي أحببن من الضفة الغربية، فاضطررن على الاختيار بين الحب والهوية، (في أغلب الحالات تتفوق الهوية)، لأننا نحن الفلسطينيون نضع الهوية قبل أي شيء آخر، فكيف لو كانت الهوية المقدسية؟ الأمر يشبه خيانة الوطن، أن تتخلى عن هويتك لأجل من تحب.. تبعد رام الله عن القدس قرابة ١٥ كم، وجدار فصل عنصري، وبوابات وحواجز، تفصل بين المتحابين، الذين إن اختاروا الحب يكونون قد اختاروا العيش في عذاب هم وأولادهم بقية الحياة، في ظل حرمان الاحتلال للأزواج من الضفة والقدس، مما يسمى ب (لم الشمل)، وهو تصريح يمكن العائلات من الضفة والقدس العيش معا.. ولكن الحصول عليه من دولة الاحتلال، أصبح مستحيلا اليوم!

ونحن نتحدث عن الحب، تذكرت كل أولئك الغزيات اللواتي أحببن من الضفة الغربية، بعضهن انتظرن سنوات طويلة على أمل فك الحصار عن غزة واللقاء مع من يحبين، حتى جاءت الحرب، فقضت على كل أحلامهن، أو قضت على أعمارهن فرحلن من الدنيا بقلب كليم… (تبعد غزة عن رام الله نحو ٨٠ كم/ أقل من ساعتين بلا احتلال..)

ونحن نتحدث عن الحب، تذكرت أيضا كل أولئك اللواتي من غزة، وأحببن من غزة، ثم فرقهن رصاص الحرب عن أحبائهن، فرحل أحد الطرفين دون أن يكتمل اللقاء.. (عاشت غزة منذ عام ٢٠٠٠، خمس حروب وانتفاضة، كم حب مات دون أن يكتمل؟)

ونحن نتحدث عن الحب، تذكرت بنات البلد اللواتي أحببن فلسطينيين من مخيمات الشتات، فكان الخيار أمامهن بين الوطن واللجوء، إما أن تصيري لاجئة لأجله، أو تعيشي بقية الحياة بعذاب الفراق القسري عنه، وكما قلت نحن الفلسطينيون نخون حبنا ولا نخون هويتنا، أتعرفون ما مصير كل هؤلاء؟ 

ينتظرون أن تتحرر فلسطين يوما حتى يلتقوا معا على أرضها..

ونحن نتحدث عن الحب.. تذكرت معلمتي التي انتظرت خطيبها سنوات طويلة وهو في الأسر، ثم عندما أطلق سراحه نُفي خارج فلسطين، فاختارت أن تكون وطنه في المنفى، “بعد أعوام فقدت زوجها شهيدا”.. ومثلها آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي أحبين لدرجة التضحية بسنوات عمرهن وشبابهن وهن ينتظرن أحباءهن في سجون الاحتلال، نحن محرومون من الحب في بلادنا…

سيسأل أحدٌ لماذا تتحدثين عن الآم النساء في الحب فقط، فالرجال أيضا يتألمون؟ نعم كلانا نتألم، ولكن الرجال وخاصة الفلسطينيين منهم، يكابرون على انفسهم في الحب، (شو يعني قلبك مكسور لأن حبيبتك استشهدت؟ أو لأنك مش قادر تتزوج اللي حبيتها؟) ماذا يساوي هذا الألم أمام آلام شعب كامل اعتاد الاحتلال على كسر قلوب أهله؟ يصادر منا حتى حقنا بالضعف والألم، “ما انت فلسطيني ممنوع تضعف، أصلا ممنوع تحب..!”

لماذا؟ ألا نناضل منذ ٨٠ عاما على أرضنا لأننا نحب فلسطين؟ أليس حبها هو ما يجعلنا نصمد ونصبر وندفع ثمن احتلالها من تفاصيل حياتنا اليومية؟ ألسنا بحب البلاد نقاوم احتلالها؟

بالعودة إلى موضوع الحب للفلسطيني، وبالنظر إلى كل حالات الفراق القسري التي نعيشها نحن الفلسطينيون، يمكن القول أن الاحتلال لا يحرمنا من أرضنا وحريتنا فحسب، بل يتحكم أيضا في قراراتنا ومصائرنا الشخصية، فنحن أسرى للاحتلال حتى في الحب والارتباط وتكوين عائلاتنا..

مع الإشارة إلى أنني لا أتحدث عن الحب هنا كشعور انساني فقط، بل أيضا كحاجة وطنية لكسر الحواجز التي وضعها الاحتلال ففرق بها الضفة عن غزة عن القدس عن الداخل المحتل، وعن مخيمات الشتات.. حتى أصبحت همومنا متفرقة، وآلامنا مختلفة رغم أن سببها واحد، أتساءل: متى تعود العائلات ذات الدم الجامع للوطن وأبنائه من جديد؟ متى يكف الاحتلال عن بسط سطوته على مشاعرنا وحبنا وإنسانيتنا وتكوين عائلاتنا؟ 

دامت قلوبكم حرة من الاحتلال…

 

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم