منحت الأمل لمئات الأطفال.. فلسطين تروي ل “خراريف” حكايتها مع مبادرة بنك الخلايا الجذعية

خراريف فلسطين - “أنا صنيعة أمي”
هكذا عرفت فلسطين عن نفسها، وكأنها تختصر حياتها كاملة بكلمتين اثنتين فقط “أنا صنيعة أمي”.

كانت العبارة صادمة، أعادتني بالذاكرة إلى مرحلة الطفولة، فقد كان واحدا من أكثر الأشياء التي علقت في ذهني منذ طفولتي هو مصطلح ” فلان ترباية مراة” كنت أسمعها كثيرا، وكنت أتفاجأ “رغم كوني طفلة” أن بعضنا يعاير بعضه الآخر أن أمه ربته! ودوما ما أتساءل: ما بها تربية المرأة؟”

حتى يومنا هذا لم أجد الإجابة، أقصد لم أجد السبب الذي جعل من “تربية المرأة” مادةً للتنمر…

ولكنها مصنفة في قاموسي الذهني “تلقائيا” كواحدة من أكثر العبارات ظلما وتمييزا وانتقاصا من قدرات النساء.

ولو رُدِدت هذه العبارات في كل دول العالم، ففي فلسطين تحديدا ترديدها يمكن تصنيفه بكارثة مجتمعية، نعم كارثة!

هل تتخيلون كم تركت حرب غزة مثلا، عائلات بلا أب؟ مع الأخذ بعين الاعتبار عدد الحروب والانتفاضات التي خضناها من قبل! وهل تدركون حجم الدور والجهد الذي تقوم به آلاف النساء في بلادنا برعاية أسرهن وتربية أطفالهن وحيدات بلا شراكة أو مساعدة بعد فقدان أزواجهن؟

نحن شعب، كل عائلة فيه لديها شهيد أو جريح أو أسير واحد على الأقل، كل هذه الحالات جعلت من النساء المربي الأول والوحيد في الأسرة، فكيف نكون مجحفين بحقهن إلى هذا الحد؟ وحتى مجحفين بحق أطفالهن!

من أجل كل ذلك، سأعتبر عبارة “أنا صنيعة أمي” التي قالتها فلسطين في لحظة فخر، بمثابة اعتذار لكل أولئك النساء، اللواتي وصمن بالانتقاص، أثناء قيامهن بالتربية.

أمّ عظيمة

وأمّ فلسطين هي امرأة فلسطينية عظيمة، عاشت سنوات الصبر وحملت المسؤولية، وربّت أبناءها وحدها، وغرست في ابنتها فكرة بسيطة لكنها عميقة: المرأة ليست ظلً البيت، بل عموده، وهي القادرة على صناعة الحياة وخلق الأمل حتى في أحلك الظروف.

وإذا ما عرفنا ذلك، لن نسأل عن سبب تسمية “فلسطين” بهذا الاسم، حتى أنها لم تكتف بذلك، فقد أخدت من فلسطين قوتها وجمالها، ولهذا السبب اخترنا أن تكون إحدى النساء اللواتي نروي لكم قصتها.

 تحفظ الخلايا ٤٥ عاما

تقود فلسطين الظاهر، نابلسية الأصل، مشروعًا يمنح الأمل لآلاف العائلات الفلسطينية، وهو بنك الخلايا الجذعية، الذي يعمل على تخزين خلايا مأخوذة من الحبل السري للأطفال حديثي الولادة، لمدة قد تصل إلى 45 عامًا، هذه الخلايا قادرة علميًا على التحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا حسب حاجة الجسم، وقد أثبت علميا قدرتها على علاج ٨٠ مرض حتى الآن، فيما لا تزال الأبحاث مستمرة لتجريب نجاعتها مع أمراض أخرى، مثل التوحد والسرطان، بالإضافة إلى أنه يمكن أن يستفيد من الخلايا ليس فقط الطفل نفسه، بل أي فرد من العائلة يملك تطابقًا معه.

بدأت قصة فلسطين مع بنك الخلايا الجذعية قبيل جائحة كورونا بقليل، حيث كانت تعمل في قسم التأمين الصحي في إحدى الشركات في رام الله، وكان مشروع الخلايا الجذعية أحد أشكال التأمين الصحي الذي تعمل عليه بارتباط مباشر مع مجلس إدارة بنك الخلايا الجذعية في الولايات المتحدة، حيث لم يكن شائعا في ذلك الحين،  فقررت الشركة الأم إنهاء عملها في بلدنا.

أصرّت على إبقاء المبادرة في فلسطين

إلا أن فلسطين لم تستسلم وأصرت أن تقود المبادرة، وتحافظ على عمل بنك الخلايا الجذعية في فلسطين لما له من أهمية إنسانية ووطنية، استطاعت إقناع البنك بأن تتولى إدارة المشروع محليا، لم تكن المهمة سهلة أبدا، واجهت تحديات قانونية وإجرائية مع وزارة الاقتصاد الفلسطينية، خاصة مع التعقيدات المفروضة على عمل الشركات ذات الارتباط الخارجي.

 لم تفكر فلسطين بالأمر من ناحية مادية في ذلك الحين، فقد رأت في الأمر أبعد من كونه مجرد وظيفة، في بلد يعيش أهله على حافة الخطر الدائم، ويحتاجون إلى أي نافذة أمل للحياة وسط الموت.

ومثلما هناك ذكور في مجتمعنا يعايرون أحدا أنه “تربية امرأة”، فهناك أزواج يفخرون بالأدوار التي تقوم بها نساؤهم، زوج فلسطين أحدهم، فكونه طبيب استطاع إلى حد كبير دعمها والوقوف إلى جانبها أثناء توليها هذه المهمة الكبيرة.

وتدير فلسطين فرع فلسطين بتعاون مباشرة مع بنك الخلايا الجذعية الموجود في الأردن، حيث تتوفر الإمكانيات اللوجستية والمادية اللازمة، وقد اختير موقع استراتيجي للبنك، قرب المطار والمعابر، بما يضمن نقل العينات بسرعة وأمان.

وتستقبل العينات من فلسطين والدول المجاورة، مع الالتزام الصارم بإجراءات التبريد والتخزين وفق شروط علمية دقيقة، تضمن تخزين العينة ونقلها بالشكل الصحيح.

أشبه بمعجزة!

لكن العمل في فلسطين لا يشبه أي مكان آخر في العالم، فالاحتلال حاضر في كل التفاصيل، ونقل الخلايا الجذعية لطفل حديث الولادة من فلسطين إلى الأردن في فترة لا تتجاوز ٤٨ ساعة، وسط إغلاق الجسور، وانتشار ٩٠٠ حاجز في الضفة، والاغلاقات المفاجئة المرتبطة بالحوادث الأمنية، أشبه بمعجزة حقيقية.

تقول فلسطين: في بعض الأوقات، كان نقل العينات يشكل سباقا مع الزمن، ورغم ذلك، تمكّن الفريق من تجاوز هذه العقبات، والإيفاء بالالتزامات ضمن الإطار الزمني المطلوب.

وتعتبر فلسطين مبادرة بنك الخلايا الجذعية مثل طفلها، فترعاه بكل استطاعتها، هو وليد محبة وتعب وسهر طويل، والأهم أنه وليد الأمل، يمنح فرصة الحياة من جديد، لكل من تم تخزين خلاياه الجذعية عند ولادته، وأحيانا لبعض أفراد عائلته المطابقين، تقول إن أكثر ما يمنحها القوة والإرادة للاستمرار هو رغبة الأهالي في منح فرص حياة أطول لأبنائهم، وسط واقع مليء بالموت والتهديد اليومي.

ويعمل البنك بالتنسيق مع المستشفيات في جميع محافظات الضفة الغربية، لضمان سحب العينات وتخزينها وفق أعلى المعايير العلمية والطبية، سواء كانت الولادة طبيعية أو قيصرية، كما تعطى بعض التعليمات للأم الحامل نفسها، تحسبا في حال ولدت بشكل طارئ ولم يكن هناك ترتيب مسبق مع الطبيب أو المشفى، فتعلم الأم على إجراءات أخذ العينة بنفسها، لتحقيق فرصة أعلى بتخزين الخلايا.

حق للفقراء كما هو للأغنياء

فيما تحرص فلسطين وفريقها على نشر الوعي حول أهمية تخزين الخلايا الجذعية بطريقة معلوماتية وطوعية، بعيدًا عن التسويق التجاري، تسعى لأن يكون الأهالي على دراية كاملة بالخدمة، وتوفير خيارات التقسيط المتاحة لهم، كي يكون للفقراء كما الأغنياء فرصة للنجاة من الأمراض كما تقول، حيث تسعى بكل قوتها على أن تكون هذه الخدمة في متناول يد الجميع بغض النظر عن مستوى الدخل.

وتؤكد فلسطين أن أعداد العائلات التي اتخذت قرار الاحتفاظ بالخلايا الجذعية في تزايد مستمر، خاصة مع تنامي الوعي بأهميته، وبالنسبة لفلسطين هو فعل صمود وبقاء وتمسك بالحياة من نوع آخر، وإصرار على خلق خيارات للأمل في بلد تُفرض عليه يوميًا كل خيارات الموت.

في فلسطين، ليست الحياة أمرًا سهلا، ولكنها كما تعلّمت فلسطين من أمّها، تُصنع… حتى في أصعب الظروف.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم