جنين كوّنتني وعائلتي هي درعي الواقي و The voice محطة انتشار فقط

خراريف فلسطين - ” جنين ما ضافتلي، جنين كونتني.”

بهذه العبارة اختصرت حنّة علاقتها مع مدينتها جنين، التي ولدت ونشأت وتعيش فيها، فالمدينة التي تشعر أنها مهمشة ومظلومة بالمقارنة مع مدن فلسطينية أخرى، لم تضف لها، وإنما كونتها لتكون كما هي اليوم “حنة”.

 قبل أسابيع فقط أطلت الفنانة حنة الحاج حسن على شاشة عربية بثوب فلسطيني جميل، لتقدم مقطعا غنائيا طربيا دمج بين أغنية يا ديرتي لأسمهان، وأغنية “مرمر زماني” التراثية، كانت أشبه بلوحة فنية متكاملة قدمتها على مسرح البرنامج العربي الشهير “ذا فويس”.

كيف بدأت القصة؟

تقول حنة إنها كانت تتحضر للتوجه إلى فرنسا، من أجل إقامة فنية، عندما تواصل معها فريق البرنامج عبر صفحتها على فيسبوك، واقترحوا عليها أن تتقدّم، ربما لأن صفحتها تعكس بوضوح هويتها الفنية الفلسطينية.

ونتيجة الأوضاع السياسية في لبنان، جرى تصوير هذا الموسم في الأردن، حيث توضح حنّة أن فرحتها الحقيقية لم تكن بالظهور على شاشة عربية فقط، بل بأن هناك من تعرّف إلى موهبتها من خارج فلسطين، وتفاعلهم مع الأغنية التي غنّتها، مشيرة أنهالحظة بثّ الحلقة، كانت تراقب ردود فعل الحكّام، وخصوصًا أحمد سعد، الأقرب إلى لونها الغنائي.

ورغم أهمية محطة ذا فويس بالنسبة لحنة، كونها نقلتها من الانتشار المحلي إلى الانتشار العربي، إلا أن حكاية حنة مع الغناء لم تبدأ من مرحلة البرنامج، وإنما منذ كانت طفلة على مقاعد المدرسة، قبل أن تأخذ الموهبة شكلها الاحترافي مع دخولها الجامعة عام 2011.

أتذكرها من الجامعة..

لا زلت أذكر كيف كانت يتجمهر الطلاب مكونين حلقة جميلة حول حنة كلما كانت تشدو بصوتها الجميل، على درج كلية الاعلام بجامعة بيرزيت، فحنة زميلة دراسة تخصصت في  مجال الاذاعة والتلفزيون، الذي تقول أنها لم تجد نفسها فيه أبدا، فهي ابنة اللحن والموسيقى منذ نعومة أظفارها.

وإلى جانب دراستها الإذاعة والتلفزيون واظبت حنة على تطوير موهبتها في الغناء، من خلال التحاقها بمعهد إدوارد سعيد، وفي ذلك الوقت كانت تحصل على فرص للغناء في فعاليات ومهرجانات شعبية، وتغني مع كورال الثورة، وتسجل صوتها لفرق دبكة مختلفة، ما جعل من الموهبة مصدر رزق لها.

ورغم حصولها على شهادة في الإعلام، إلا أنها لم تجد نفسها هناك، وظلت تتساءل باستمرار: ما التخصّص الذي يشبهني؟ وعندما فُتح تخصّص الموسيقى في جامعة بيرزيت قررت أن تعود وتدرس بكالوريوس الموسيقي من جديد، الذي وجدت نفسها فيه أخيرًا، تقول إن الدراسة في عمر أكبر، وحين يعرف الإنسان ما يحب، تكون أجمل وأكثر وعيًا ومسؤولية.

جنين الحاضرة في تفاصيل حياة أهلها

وبالعودة إلى الحديث عن جنين، فقد كان واضحاً كم تركت هذه المدينة الصامدة أثرا ثقافيا ووطنيا على حنة، فمن ناحية جعلتها أكثر ارتباطاً مع مع القضايا الإنسانية والوطنية ليس الفلسطينية فحسب، بل كل قضايا الشعوب العادلة، ومن ناحية أخرى انعكس واقع المدينة وحصارها المستمر والاعتداءات اليومية التي تتعرض لها من قبل الاحتلال، على تجربتها الغنائية، فقد تميزت بغنائها اللون الشعبي والوطني الأصيل.

وكيف لفنانة تتابع أوضاع الطرق ومواقع الاقتحامات في المدينة، على مجموعات “الحارة” كما وصفتها، حتى تستطيع رسم خارطة الطريق اليومية الخاصة بها، أن تنسى ذلك وهي تنتج فنها وتقدمه للجمهور، فواقع المدينة هو ما يشكل حياة أهلها ويحدد مسارات عملهم وتحركاتهم، وحنة ابنة هذا الواقع وهو جزء أصيل من حياتها.

حتى بعد عودتها من The Voice، كان الاحتلال قد أخرج إخوتها من بيوتهم، مثل آلاف الناس الذين هجرهم الاحتلال من بيوتهم شمال الضفة الغربية، والذين وصل عددهم قرابة ٤٠ ألف نسمة حسب إحصائيات مؤسسات عديدة. 

ورغم كل ما سبق فإن ما يزعج حنة على الأكثر، هو النظر إلى مدينة جنين كمدينة “سوداء” خالية من الفن بأشكاله، حيث أن هذه الصورة النمطية هي صورة غير صحيحة بالمطلق.

فعلى الرغم من أن جنين لم تحظ بتواجد عدد كبير من المراكز الثقافية والفنية، إلا أنها امتازت على مر التاريخ بالفن الشفهي والشعبي: من الغناء في البيوت، إلى الأعراس، وحتى الحقول التي كانت تتردد فيها المواويل، في كل مواسم الزرع والحصاد على ألسنة الفلاحين، ما يعني بشكل أو بآخر أن الفن في جنين لم يُنتَج ليُعرض، بل ليُعاش. 

ورغم أن الصورة النمطية عن جنين كمدينة اشتباك مع الاحتلال فحسب، إلا أنه خرج منها موسيقيون أعادوا إحياء التراث، وتجارب فنية عظيمة مزجت الشعبي مع الحديث، وفنانات وفنانون كسروا فكرة أن الفن ترف أو خروج عن “البيئة المحافظة”، فجنين أنتجت فنّانين بلا مؤسسات كبيرة، لكن بثقافة عالية وصوت أصيل، وهذا خلق لونًا صادقًا، غير متصنّع، قريبا من الناس، يشبه الأرض التي يخرج منها.

ومنذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم، ارتبط الفن في جنين مباشرة بالفعل السياسي، ففي كل مراحل النضال كان هناك أناشيد، أغانٍ وطنية وشعبية، زجل، ومسرح شارع، وشعر، ثم لاحقًا جاء الراب كفن تعبيري بديل من المخيم، إذن فالفن في جنين تاريخيا هو فعل مقاومة وصمود، وليس أمرا جديدا عليها.

تقاطعت مع اسمها

خلال السنوات الماضية، عرفت حنة لدى الجمهور الفلسطيني والعربي، باللوحات الفنية التراثية التي تقدمها في حفلات الحنة في بلادنا، ترتدي ثوبها الجميل وتشارك الناس فرحتهم ببناتهم، في واحد من أجمل التقاليد الفلسطينية، والذي استقت حنة اسمها منه، وبينما يعيد المحتفلون ذكريات أجدادنا برسم الحناء على أيدي العروس، وتوديعها قبل أن تغادر بيت عائلتها إلى عش الزوجية، يرافقهم في هذه الفعالية التراثية البهية صوت حنة، ليصنع صورة مبهجة تقول للعالم: الفلسطيني يعشق الفرح ويحب الحياة.

إحدى أهم المحطات المفصلية في حياتها، كانت عملها مع مؤسسة “نوى” في جمع وأرشفة أصوات مغنّين فلسطينيين منذ ما قبل عام 1948، أسماء غير معروفة في فلسطين لكنها عرفت واشتهرت في لبنان وبلدان الشتات، وهو ما أضفى ثقافة فنية عالية لديها، إلى جانب موهبتها.

العائلة: درعها الواقي

سألتها ما إذا كانت تعرضت لبعض الضغط والانتقاد، خاصة وأنها تعيش في مجتمع محافظ، لا يتقبل كثيرا أن تكون الفتاة مطربة، فقالت “العيلة هي الدرع الواقي.”

مشيرة إلى أنها كبرت في بيئة داعمة، أب واثق، بيت لا يفرّق بين البنات والشباب، فهم ثلاثة إخوة وبنتان لديهم حرية اختيار كاملة في كل ما يتعلق بحياتهم الشخصية، وحتى لو لم يعجب الجميع يفعلون ما يجدونه الأصوب دائما، ولذلك مشت دوما وهي واثقة بكل خطوة، وتؤمن أن أي فن فلسطيني يُقدَّم باحتراف هو إنجاز بحد ذاته.

ومثلما ظهر في كواليس البرنامج مبتهجا فخورا بنجاحها، هكذا هو زوج حنة دوما إلى جانبها، وهو موسيقي ومدير أكاديمي في جمعية “كمنجاتي”، ومدير أعمالها وشريك مشروعها الفني “حنّة”، يتولّى الجوانب الإدارية ويدعمها في الأغاني والتخطيط للأعمال الفنية، تقول بوضوح: لا يمكنها الاستمرار في مشروعها بدونه.

الحلم مستمر

مؤخرًا، أطلقت أغنية خاصة كتبها شاب من مخيم اليرموك، بلهجة “الشتات” التي سمعتها للمرة الأولى، لحنها لها أستاذها خالد صدوق، تحكي الأغنية عن شعور الابن تجاه أمّه، تشبه حكاية أي فلسطيني لاجئ أو عالق في بلده.

بالنسبة لها، The Voice لم يكن سعيًا إلى لقب أو منافسة، بل وسيلة للانتشار، وبعد التجربة، بدأت تعاونات جديدة، وتبحث عن ألوان لم تغنّها من قبل، رغم تأكيدها على حبها للتراث، لكنها لا تريد أن تحصر نفسها فيه، تريد أن تجرّب ألوانا أخرى من الغناء.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم