بحطته البيضاء الناصعة، ويده الممسكة بصلابة على عصاه، يلهج الجد “أبو واصف” بالدعاء،مغمورًا بأمل لا ينطفئ: “بطلب من الله سبحانه وتعالى قبل ما أموت آجي على بلدنا.. على قاقون”.
لم تكن “قاقون”، الواقعة في قضاء طولكرم، مجرد قرية مرّت مرور العابرين في التاريخ؛ بل كانت حكاية شجرٍ وأرضٍ أحبها أهلها وأحبتهم وجادت عليهم بالعطاء. عرفت بموقع استراتيجي، يطل على السهل الساحلي، واشتهرت بخصوبة بياراتها، وبقلعتها الأثرية الشامخة التي شهدت تعاقب الأجيال.
قبل نكبة عام 1948، عاش أهالي القرية يزرعون أرضهم ويتنعمون بخيراتها، قبل أن يُهجّروا قسراً، وتصبح قاقون عبارة عن أطلالٍ، تشهد بقايا آثارها على أصل الحكاية.
يعود الجد أبو واصف بالذاكرة إلى يوم الخروج الكبير، حين كان طفلاً لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد، باحثًا في ذاكرته المثقلة بالحنين على أدق التفاصيل ويقول: “بتذكر بالنكبة كيف خرجنا… الطخ كان شغال. اللي حط ابنه على حصان واللي حط أولاده على عرباية. وأنا أبوي حطني على الحمار، كنت صغير”.
وعن مرارة الفقد واقتلاع الإنسان من جذوره، يقول: “كانت حياة صعبة. الهجرة صعبة. لما واحد يترك أرضه ويترك وطنه. لا تشبه حياة الإنسان داخل منزله وملكه”.
ورغم سنوات العيش في اللجوء، لم تغب صورة قاقون عن مخيلته، بل ما زال يصفها بصورتها البهية كما اعتادها قائلًا: ” أرض خصبة. كلها بيارات. البحر بعيد عنها 8 كيلو”.
لكن قسوة المخيم سلبت من أبو واضف كل نعيم قاقون؛ حيث يصف الجد التحول القاسي في حياتهم بعد التهجير : ” لما جينا على المخيم. حياتنا صارت أوسخ من كل إشي. ولا في الدنيا كانت أحسن من حياة أهل قاقون. ولا بحياتي شفت يوم حلو مثل أيام قاقون».
يمضي العمر، وتتغير معالم الأشياء، لكنّ يقين الجد “أبو واصف” بالعودة يبقى ثابتاً. “إن شاء الله ربنا سبحانه وتعالى بيجي يوم وبنرجع عالبلد.. إن شاء الله” يقول الجد أبو واصف خاتمًا حديثه.
خراريف فلسطين -