حكاية الريادية نصار التي جعلت من “نبتة المعجزة” مشروع صمود في زمن خذلان المزارعين!

خراريف فلسطين - اسمها “مليحة”، وهو ليس اسما متداولاً كثيرا في فلسطين، أدركتُ بعد أن أنهيتُ لقائي معها، أني نسيت أن أسألها عن حكاية اسمها، فغالبية العائلات في فلسطين، لا تختار أسماء أبنائها بشكل عشوائي، غالبا ما يكون هناك قصة، أليس لهذا السبب  قالت فيروز: “أسامينا… شو تعبوا أهالينا! تلاقوها… شو افتكروا فينا؟”

ولما كان عمرُ “مليحة” قرابة الخمسين عاما، توقعت أن يكون أهلها افتكروا فيها جدتها، ولكنها ضحكت بمجرد أن سمعت سؤالي، وأجابت: “أبوي كان يحب بنت خالته وما قدر يتزوجها، وأنا كنت آخر العنقود، فسماني على اسمها…”

هكذا بدأت حكاية مليحة نصار، بذكرى حب، وهي ريادية وسيدة أعمال من الخليل، درست إدارة الأعمال بدرجتي البكالوريوس والماجستير، في جامعة بيرزيت، وشغلت العديد من الوظائف، في الجامعة وفي عدد من المؤسسات والجمعيات في بلدنا، كما عملت لبضع سنوات خارج فلسطين.

سنوات العمل المؤسسي لم تكن مستقرة أو مرضية بالنسبة لها، اشتغلت مليحة في مؤسسات تُعنى بقضايا المرأة، لكنها خرجت بتجربة قاسية، وقناعة شخصية بأن كثيرًا من هذه المؤسسات لا تمكّن النساء فعليًا، وأن المرأة القوية قد تُحارَب داخلها أحيانا، أكثر مما تُدعَم، وبعد آخر تجربة لها، اتخذت قرار الانتقال إلى العمل الخاص.

بدأت بعدة مشاريع في وقت واحد، افتتحت محل ملابس، أنشأت منحلًا لإنتاج العسل (بعد حصولها على دورات تدريبية متخصصة في إدارة المناحل)، وافتتحت مطعمًا. في الوقت نفسه، كانت تُحضّر للدكتوراه وتشارك في دورات مع مؤسسات مثل “أمديست لتحسين لغتها الانجليزية”.

فكرة ريادية من الصين إلى فلسطين…

وفي نهاية عام 2016، سافرت مليحة إلى الصين ضمن تدريب في القيادة النسوية في جامعة ببكين، هناك، أُبهرت بعمق بالتجارب الريادية، خصوصًا تلك المرتبطة بالزراعة والأعشاب الطبية، شاهدت جمعيات نسوية تعمل على زراعة عشبة واحدة بكميات كبيرة جدا، ومشاريع متكاملة تجمع بين الزراعة والسياحة والمنتجات الطبيعية، هذه التجربة تركت أثرًا مباشرًا عليها، ولكن تعرفها إلى نبتة المورينجا “وهي نبتة الحياة أو النبتة المعجزة كما يسميها الصينيون”، كانت الشرارة الأولى لمشروعها الحالي، وعادت وهي تحمل فكرة مشروع ريادي جديد!

اتخذت مليحة أولى خطواتها لتنفيذ المشروع وقامت بتسجيله رسميا في وزارة الاقتصاد باسم “ميليا”، وهي زهرة من زهور الجنة، قبل أن تحدث مفاجأة لها عام 2017، تسبب تحوّلا كبيرا في حياتها ومخططاتها الشخصية، حيث حملت بطفلها يوسف حملا متأخرا، وهو الابن الأصغر، إذ لديها أربعة أبناء آخرين أكبرهم عُمره اليوم 26 عامًا.
الحمل المتأخر غيّر كل المخططات، أغلقت مليحة محل الملابس والمنحل، وجلست في البيت أكثر من سنتين لرعاية طفلها، تقول إن الحياة لا تسير دائمًا كما نخطط، وإن الأمومة في هذه المرحلة العمرية كانت تحديًا كبيرًا بالنسبة لها.

نبتة المعجزة محور مشروعها

بعد هذه الفترة، عادت تدريجيًا إلى الحياة والعمل، حاملة معها فكرة لم تفارقها منذ الصين: زراعة المورينجا التي هي محور المشروع، إلى جانب الأعشاب الطبية الفلسطينية، فقد تأثرت بشكل خاص بثقافة العناية بالأعشاب في الصين، وربطت ذلك بفكرة أن ارتباط الإنسان بالأرض يعزز الصحة الجسدية والنفسية.

ركّزت مليحة في البداية على الأعشاب الطبية العضوية بشكلها الخام: أوراق مجففة أو مطحونة، كان هدفها أن تعيد للناس علاقتهم بالأعشاب الطبية وفوائدها، لا سيما الأعشاب الموجودة أصلًا في فلسطين، وأضافت إليها عشبة المورينجا، التي تعود أصولها إلى الهند وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى عشبة أخرى تسمى الاشوغندا، والتي أحضرت حبوبها من مصر وأعطتها لمزارع يجري حاليا تجارب لتشتيلها وزراعتها.

تؤمن مليحة بالقيمة الغذائية والطبية العالية لنتبة المورينجا، وتربط استخدامها بطول عمر الشعوب التي تعتمد على الأعشاب، مثل الصينيين، فقد صُمّم المشروع ليعتمد على الأعشاب الفلسطينية أولًا، مع إدخال أعشاب عالمية يمكن زراعتها محليًا.

وخططت مليحة لمشروع “ميليا”، أن يكون على ثلاثة مراحل، المرحلة الأولى: أعشاب طبية خام، المرحلة الثانية: إنتاج كبسولات علاجية مصنوعة 100% من الأعشاب نفسها، بعيدًا عن المكملات المصنعة، والمرحلة الثالثة: الدخول في منتجات العناية بالبشرة الطبيعية، بكريمات تكون نسبة المواد الطبيعية فيها عالية جدًا.

تحديات كبيرة جدا واعتقال ابنها البكر

وفي بلد محتل مثل فلسطين، ويسيطر فيه المستوطنون على كل ما وجدوه أمامهم من أراضي، ولا يسمحون لأي مبادرة زراعية جديدة بالازدهار، واندلاع الحرب في غزة وأثرها على شتى مناحي الحياة في الضفة الغربية، إلى جانب غياب استراتيجية وطنية لتشجيع الزراعة، لكل تلك الأسباب واجهت مليحة ظروفًا صعبة منذ البداية، ما أجبرها على تعديل المسار وتسريع بعض الخطوات، فقررت الدخول مباشرة إلى خط الكوزماتكس، وتعاقدت مع شركة متخصصة لبدء إنتاج ثلاثة منتجات: ماسك، كريم مرطب، وكريم مغذٍ، مستفيدة من خصائص المورينجا العالية.

ووسط كل تلك التحديات، اعتقل الاحتلال ابنها البكر صالح، الذي كان يعينها أيضا في المشروع، فكانت تترك العمل وتركض بين المحاكم والزيارات إلى سجون الاحتلال، حتى تطمئن على ولدها، حيث استمر اعتقاله ثلاث سنوات.

وفي الوقت الذي لم تكن مليحة لديها خبرة كافية في الزراعة، رغم أن والدها مزارع، وأنها تحب الأرض والجبال والخضرة، فقد خاضت مغامرة زراعة المورينجا، باستئجار أراضٍ في جنين، بالتعاون مع مهندس زراعي، عملوا معًا لمدة سنتين، ثم انتقلت لاستئجار أراضٍ من وزارة الأوقاف في أريحا، وزرعتها وحدها.

سعت مليحة للحصول على دورات متخصصة في الزراعة من مؤسسات مختلفة، لكن الدعم كان محدودًا، اعتمدت على خبرة المزارعين في أريحا، واستشارت مهندسين زراعيين ساعدوها في الاستمرار، لاحقًا، وجدت أن الجمع بين الزراعة والإنتاج والتسويق مرهق جدًا، فعدّلت النموذج: باتت تعتمد على مزارعين ينتجون لها، بينما تشتري الإنتاج وتقوم بعمليات التجفيف والتعبئة والتخزين، بعض الأعشاب الأخرى تحصل عليها من الجمعيات التعاونية.

الحرب ألقت بظلالها على المشروع

ولا تعرض مليحة منتجاتها بشكل مباشر في متجر خاص، بل توزّعها على محلات متخصصة، وتوصل الطلبات يدويًا عند الحاجة، لديها بنية إنتاج تشمل الزراعة، ومعمل تجفيف وتعبئة وتخزين، لكنها تأثرت بشدة خلال الحرب، ما جعل خطط التوسع شبه مستحيلة في الوقت الحالي، كانت تطمح لإدخال ماكينات إنتاج، لكنها وجدت أن الاستمرار بات مشروطًا بالتصدير.

ونحن نتحدث عن أثر الحرب، لا بد من الإشارة إلى أنها لم تعد قادرة على الوصول إلى أراضيها في هذه الفترة، خصوصًا في المناطق القريبة من بؤر استيطانية، وقد احتجزت مرتين أو ثلاث مرات من قبل المستوطنين، وتعرضت زراعاتها للاقتلاع. تشير أن المورينجا نبات حساس، وقد اضطرت مرة لتكليف آخرين بقطفها من أجل تفادي خطر المستوطنين، تم جمع نحو 100 كيلوغرام، لكنها وصلتها تالفة.

تعمل مليحة أحيانًا مع طلبة جامعيين بنظام الساعات، للاستفادة منهم ومساعدتهم في الوقت نفسه، لكنها تواجه تحديات مالية كبيرة، لديها فكرة واضحة، تصميم، إرادة، لكن التمويل يبقى معضلة، ومؤسسات الإقراض، كما تقول، لا ترحم: فوائد عالية، لا اهتمام بالظروف، ولا مراعاة لتردي الأوضاع الاقتصادية.

غياب الدعم الحقيقي وسياسات التمويل.. أكبر مشكلة

وفي الوقت الذي تنتقد مليحة سياسات السوق القاسية، والمؤسسات التمويلية التي لا تأخذ بعين الاعتبار الحروب والكوارث، تنتقد أيضًا المانحين ومؤسسات الدعم التي تقدم تمويلًا صغيرًا فقط توزعه على أكبر عدد من الرياديات لإرضاء الممولين، دون خلق استدامة حقيقية، لهذه الأسباب، توقفت عن المشاركة في كثير من المعارض والورش، لأنها لا ترى فيها دعمًا جادًا أو عمليًا.

ترى مليحة أن كثيرًا من المشاريع الريادية المميزة تفشل ليس بسبب ضعف أصحابها، بل بسبب غياب الدعم الحقيقي، وغياب رؤية وطنية متكاملة، تقول إن الأموال تُضخ دون تخطيط طويل الأمد، وفي النهاية يُترك المستفيد ليواجه مصيره وحده.

رغم ذلك، تواصل تطوير نفسها، وكل سنتين تقريبًا، تلتحق بدورة تدريبية جديدة. مؤخرًا، شاركت في دورة “تدريب المدربين” في الريادة، بهدف نقل تجربتها للآخرين، حصلت على منحة من منظمة الفاو، رغم أن نسبة مساهمتها الذاتية كانت عالية جدًا، وتسعى اليوم لشراء ماكينات وتوسيع شبكتها الخارجية من أجل التصدير.

في رأيها، المشكلة ليست في غياب المال فقط، بل في غياب استراتيجية حكومية واضحة لدعم صمود الناس على الأرض. تقول: “إحنا ما رح نصير أغنياء من الزراعة، بس ساعدونا نضل صامدين”.
تطالب بدعم حقيقي، لا شعارات، وبمؤسسات تفكر بالمستفيدات لا بالممولين، وبسياسات تتيح للناس البقاء على أرضهم في ظل كل ما يتعرضون له من استيلاء وتضييق وملاحقة من الاحتلال والمستوطنين.

مشروع مليحة ليس قصة نجاح مكتملة، بل قصة صمود، وريادة تنبع من الأرض، وتواجه واقعًا قاسيًا، لكنها ما زالت قائمة على الإصرار، والمعرفة، والإيمان بأن الزراعة ليست رفاهية، بل فعل مقاومة وبقاء.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم