النساء يستطعن.. حين كسرت نوال بركات حصار الاحتلال وواجهت ذكورية المجتمع في النبي صمويل!

خراريف فلسطين - على مدخل قرية النبي صمويل شمال غرب مدينة القدس، لا يُسأل الزائر إلى أين أنت ذاهب، بل: هل لك بيت هنا؟ بدون بيت، لا دخول، حتى ولو كان كل أجدادك عاشوا وترعرعوا هنا، وحدها ملكية البيت إثبات لحق الدخول إلى النبي صمويل.

في هذه القرية المحاصرة، تعيش الناشطة النسوية والمجتمعية نوال بركات.

ورغم أن أصلها من قرية النبي صمويل، إلى أن نوال ولدت وعاشت حتى عمر ٢٥ عاما في الأردن، ومن ثم تزوجت وجاءت مع زوجها إلى بلدها.

تقول: “صابتني صدمة لما شفت الناس كيف عايشين في النبي صمويل، كنت كل عمري عايشة بالأردن بأمان وحرية واستقلال وفجأة انتقلت على قرية محاصرة ومعزولة عن العالم، مقدرتش أضل واقفة بدون ما أعمل شي.”

ونتيجة شعورها بأن هناك ما تستطيع فعله لأهالي البلدة وعلى وجه الخصوص نسائها المحرومات من أبسط حقوقهن في الحياة، أسست نوال الجمعية النسوية في النبي صمويل، عام 2010، كرد فعل طبيعي على واقع يفتقر لأبسط مقومات الحياة: لا عيادة دائمة، لا شبكة صرف صحي، لا محلات كافية، ولا مساحات آمنة للأطفال، تقول نوال إن الجمعية كانت احتياجا لا رفاهية، لأن: “الأطفال بدهم تفريغ نفسي، والنساء بدهم حد يسمعهم”.

ومنذ عام 1971، يمنع الاحتلال البناء في النبي صمويل بذريعة أنها محمية طبيعية وموقع أثري، وهي الحجة نفسها التي حوّلت القرية إلى فضاء سياحي مفتوح للمستوطنين، وسجن مفتوح لسكانها الأصليين الفلسطينيين.

 

وهو أيضا ما جعل البيوت قديمة جدا ومهترئة، ومعظمها من الزينكو والحجر، تتسرّب منها مياه المطر، ويعيش أهلها سياسة “التسليك”، كي لا يفقدوا حقهم في البقاء فيها. 

بيت نوال نفسها، هدم ثلاث مرات بحجة عدم الترخيص، شأنه شأن بيوت أخرى كثيرة في القرية.

امرأة في مواجهة مجتمع ذكوري

وتعترف نوال أن العمل النسوي في مجتمع مثل النبي صمويل ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق، نحن نتحدث عن مجلس يضع أسماء النساء في قائمته شكليا فقط، في حين لا يسمح لهن لا بحضور الاجتماعات ولا المشاركة في النشاطات التي يتم تنفيذها، ولا أي أمر آخر.

ولكنها تؤكد في نفس الوقت أن الإنجازات التي حققتها للبلدة على مدار السنوات، من إنارة شوارع، ودعم تعبيد الطرق، وبناء غرف للحاويات، ومساندة مباشرة للأهالي، جعلت المجلس يستمع لها ويعطيها الفرصة بالتواجد ميدانيا وفي الاجتماعات.

تقول: لم تكن قوية في البداية، ولكن طبيعة المجتمع وإقصاؤه للنساء جعلتني أصبح قوية، تتابع: كلمتي صارت مسموعة، حتى في مجلس محلي لا يضم أي تمثيل نسوي حقيقي.

وتفتخر بركات إن أحد أهم إنجازاتها هو الحد من ظاهرة الزواج المبكر في القرية، فقد صدمت عندما جاءت إليها بانتشار الظاهرة بشكل كبير، وزواج الفتيات بعمر صغير جدا، ولكن نتيجة التوعية المجتمعية والورشات والندوات المستمرة التي عملت عليها من خلال الجمعية، يمكن القول إن الظاهرة اليوم شبه منتهية وهذا أكثر ما يشعرها بالسعادة.

نموذج لا يتكرر كثيرا

وفي أوساط النسويات والناشطات المجتمعيات، لا يعتبر نموذج نوال مكررا كثيرا، فقلما تجد الناشطات النسويات من القرى المعزولة والمحاصرة، الغالبية من مراكز المدن، وهناك نسويات يعملن في القرى النائية ويقدمن الخدمات لأفرادها ولكن تحت إطار مؤسسات كبيرة، توفر لهن الحماية والأمان، لأن العمل النسوي والمجتمعي يتطلب نوعا من الانفتاح على مختلف فئات المجتمع، وهو ما تنبذه عادة المجتمعات المحافظة.

أما أن تؤسس امرأة في قرية معزولة، مؤسسة مجتمعية فاعلة، وتعمل من أجل رفع الوعي حول العنف الأسري، الصحة الإنجابية، التنمر، والحد من الزواج المبكر، وتقدم دورات للنساء في مجالات عديدة هامة مثل الإسعاف الأولي وتشجعهن على المبادرة وتقديم المساعدة للغير، إضافة إلى دمجهن في نشاطات عديدة للتفريغ النفسي لهن ولأطفالهن، فهو أمر لم نعتد عليه كثيرا.

فكيف إذا كان في قرية محاصرة ومفصولة عن كل القرى المحيطة بها منذ عشرات السنوات، واختُزلت حتى أصبح عدد سكانها لا يتجاوز 400 نسمة، لا خروج، ولا دخول من القرية لغير أهلها! لهذا السبب تعتبر نوال نموذج نسوي شجاع يحاول التحسين من واقع القرية وكسر حصارها بالنشاطات التي تقام.

لا أفراح ولا أتراح في القرية

 وبسبب هذا النظام المستمر منذ سنوات، لا يستطيع أقارب النبي صمويل من خارج البلد زيارتهم، ولا تُقام عندهم أفراح أو أحزان داخل القرية، ولا يتوقف عندهم الهدم  بفعل عدم منح الاحتلال أي تراخيص بناء، وفي أحيانا كثيرة يشطب الاحتلال أسماء بعض الأهالي إن غابوا قليلا عن القرية، ويضاعف من مرارة السجن الذي يعيشون فيه.

تقول نوال إن هذا الواقع أثّر حتى على الزواج: “كثير ناس ما بترضى تزوج شباب من القرية، لأنهم محاصَرين”.

الأصعب من ذلك أن الدخول إلى القرية ممنوع ليس فقط لغير سكانها، فحتى الدجاج واللحوم والمواد التموينية يضع الاحتلال قيودا على دخولها، تذكر نوال حادثة كان لديها دعوة غداء لأحد الأقارب، فأحضرت كمية دجاج ولحوم وخضروات أكثر من المعتاد، وبسبب ذلك احتجزت على مدخل القرية لأكثر من ثلاث ساعات، تقول: حتى الدجاج محتاج تنسيق أمني للدخول.

هدم مبنى الجمعية أكثر ما آلمها

وتستذكر نوال أياما صعبة مرت على الجمعية، حين تعرض مقرها للهدم عام 2016، حيث هُدم مقر الجمعية، رغم المتابعة القانونية الحثيثة من أجل منع هدمه. اليوم، تعمل نوال في خيمة مغطاة بخشب وزجاج حتى لا تُهدم مرة أخرى، تقول: “صرنا نعرف كيف نتحايل عليهم بموضوع منع البناء”. 

أكثر ما آلمها لدى هدم المقر لم يكن الخسارة المادية، بل الأطفال الذين كانوا يستخدمون المكان للمخيمات الصيفية والأنشطة، تقول:“أكتر شي كسرني كان منظر الأطفال وحزنهم بعد هدم المقر، عشان هيك قررت أكمّل وما استسلم”.

 بعد الهدم، انتقلت الأنشطة إلى بيتها، صار الأطفال يأتون للعب كرة القدم، ولأي مساحة تُشعرهم بأن الحياة لا تزال ممكنة، قبل أن تصنع خيمة وتنفذ الأنشطة منها.

من داخل خيمة..استمرت في صنع المعجزات

وحتى من داخل خيمة استمرت نوال في صنع المعجزات، فأُنشئت نقطة إسعاف أولي، بعد أن دربت نساء القرية على الإسعافات، لتعويض غياب مركز صحي في القرية، تشير أن النساء تعلمن علاج الإصابات البسيطة والتعامل معها داخل القرية، كي ينقذن أطفالهن، أما الإصابات الأكبر تنقل إلى مستشفيات خارجها، بعد المرور عن الحاجز.

حاليا تعمل نوال على إنشاء ملعب وحديقة للأطفال، بعد أن أقنعت أحد المانحين بالحصول على تمويل من أجل تلبية هذه الحاجة الملحة، فالأطفال حاليا يلعبون في ساحة بيتها كما تقول، وتفاديا للهدم ستكتفي نوال بتصميم الأرض لتصبح ملعبا وتضع فيه شبك وإنجيل وتخصص مساحة للركض دون أن تعرض الجمعية لأي خسارة.

وكبقية أهالي النبي صمويل، لا تخف بركات مخاوفها المتواصلة من مخططات التهجير، خاصة وأن غطرسة الاحتلال وتضييقه تفاقم بشكل كبير بعد الحرب على غز، وزادت مخططات التوسعة الاسرائيلية عند مدخل القرية، إلى جانب رفض الاعتراضات القانونية التي قدمها الأهالي على هذه التوسعة.

همسة عتاب لكل المؤسسات الفلسطينية

وهمست بركات بالعتاب على المؤسسات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية، وحتى الاعلامية، مشيرة أن النبي صمويل منسية تماما من قبل الجميع، وهناك تهميش كبير لها ولمعاناتها، وحتى لقيمتها كموقع سياحي وتاريخي أثري.

ورغم تعرّض أولاد نوال وزوجها للاعتقال، وشُطب اسمها من المعبر، ومُنعها من دخول القرية بسيارتها، قبل أن يعود اسمها بعد جهد كبير، إلا أنها تؤكد أن كل ذلك، لن يثنيها عن الخدمة المجتمعية، بل يزيدها إصرارا. 

نوال، التي لا يعيش أقاربها معها في القرية، فجميعهم في الأردن، تقول:
“النبي صمويل بلدي، ورح استمر بخدمتها”.

نوال بركات نموذج لامرأة فلسطينية، تحاول بكل قوتها من أجل استمرار الحياة في قريتها، بينما يقطع الاحتلال أنفاسها، ويحاول خنقها والتضييق عليها، في مخطط تهجير باتت سماته واضحة وضوح الشمس في وسط النهار.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم