ذاكرة الطابون والخبز مع الجدة شامية

خراريف فلسطين - تعود الجدة شامية بذاكرتها إلى زمنٍ بعيد، تستحضره بحنينٍ لا يخلو من التعب، وتروي تفاصيل الحياة اليومية التي صنعتها النساء بأيديهن، بدءًا من جمع الحجارة والحطب، وصولًا إلى إعداد الطابون وخَبز أرغفة الصباح. وتقول : ” الحجر اللي كان بالشارع كانت ستك تلمّه وتحطه وتكوّمه، ظلّيت نلمّهن لحد ما جابوا كسارة وكسّروهن وعملوهن سور للدار ” .

أما تجهيز الطابون، فكان يبدأ بإحضار روث الحيوانات ونثره على جدرانه، إلى جانب قشور البلوط وأوراق الزيتون، حتى يصبح جاهزًا للاستخدام. وتتذكر الجدة كيف كانت النساء يحملن الأكياس ويدرن حول الطابون لتطيينه وتدعيمه، أو كما تقول: “نكحّل الطابون ونزبّله”.

ولم يكن تأمين الحطب أقل مشقة؛ فقد كانت النساء يخرجن لجمع أغصان الزيتون ونبات الكندول، ثم يصنعن منها حزمًا ويربطنها بالخيوط ويحملنها فوق رؤوسهن إلى المنازل. وتروي الجدة: ” كنا نروح نبحث على الحطب، نجيب حطب زيتون وكندول، نسويهن حزمة ونربطهن بخيطان، ونحملهن على روسنا ونروح”.

كانت النار وسيلة الأسرة للطهي وتسخين المياه أيضًا في ذاك الوقت. تقول الجدة شامية: “نطبخ على النار، ونسخّن المي عشان نغسل”. أما رحلة الخبز، فكانت تبدأ منذ ساعات الليل. تنخل النساء الطحين ويعجنّه، ثم يقسمن العجين إلى كرات صغيرة استعدادًا لخبزه مع بزوغ الفجر.

وتكمل الجدة بفخر: “نبقى عاجنين بالليل، ومن الصبح نقوم نخبز. يبقى الولاد بدهم يروحوا على المدرسة، وتصبح الأم تخبز”. وقبل ذهاب الأطفال إلى مدارسهم، كانت الأمهات يُعددن لهم المناقيش البسيطة بما توفر في المنزل؛ مرة بالزيت والملح، ومرة بالزيت والزعتر، إلى جانب أقراص الزعتر

وتصف الجدة طريقة إعداد الرغيف قائلة: “تقطعي قطعة من العجين وترقّيها، وبقلب الطابون تلزّقيها، وبعدها يطلع الرغيف”.

في حديثها، لا تستعيد الجدة شامية وصفة الخبز وحدها، بل تستحضر زمنًا كاملًا من التعب والتعاون والقناعة؛ زمنًا حملت فيه النساء الحطب والحجارة فوق رؤوسهن، وعجنّ الطحين ليلًا، ثم استيقظن مع الفجر ليؤمّنّ لأطفالهن خبزًا ساخنًا قبل المدرسة.

وبينما تسترجع تلك الأيام، يغلبها البكاء، وتردد بصوتٍ مثقل بالحنين: “كاكا العصفور على الحجر، يا محلا مكاكاته، والسبع بالواد يا مصعب ملاقاته، يا بي جميل ويا أعز رفقاته، وإن كان عندك دوا لجروحهم هاته”.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم