خراريف فلسطين - أن تكون مسعفا في فلسطين، يعني أن عليك أن تعتاد على مشاهدة “الدم” النازف، وأن تمتلك قلبا ميتا، جاهزا لتحمل ما سيراه في الميدان، من صور يومية لمعالجة الجرحى ونقل الشهداء.
لذلك لم يكن مستغربا أن يقرر صهيب سمارة بعد ١٢ عاما من العمل في مهنة الإسعاف، ترك هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر، واللجوء الطبيعة الفلسطينية، بما فيها من جبال وسهول وأودية، كي يعالج ذاكرته مما رأته على مر السنوات.
منذ ذلك الحين، قرر صهيب أن يقود دراجته الهوائية وينطلق، يتوقف أينما توقفت به، وعلى غرار المثل الذي يقول امش في الأرض، مشى صهيب في الأرض ما استطاع.
سمارة “٣٥ عاما”، هو ابن قرية بروقين قضاء سلفيت، مؤسس فريق “فلسطين عالبسكليت”، وواحد من الأشخاص الذين يعرفون حقا جمال فلسطين ويقدرونه، ويدعون الناس باستمرار للتعرف على وطننا عن قرب.
كيف بدأت الحكاية؟
يقول: لم تبدأ حكايتي مع الدراجة كمشروع، ولا كمبادرة، بل بدأت كسؤال بسيط: لماذا لم نعد نعرف بلدنا؟ كنت أتجول على الدراجة الهوائية في القرى والمدن الفلسطينية، وألاحظ دوما أن حياتنا مليئة بالسيارات، وقلة قليلة فقط من أهل البلد تمشي فيها، تتجول، وتتعرف على أزقتها، قبل فلسطين عالبسكليت كنا نمرّ من البلد مرور العابرين، لا نراها ولا نشعر بها، ومن هنا بدأت فكرة المبادرة، من حاجتنا لمعرف البلد عن قرب.
في ذلك الحين، ونتحدث عن فترة ما قبل الحرب على غزة، قرر صهيب أن يشتري عددا من الدراجات الهوائية، ويدعو الناس للخروج معه في رحلات ومسارات تعريفية، الهدف في البداية كان بسيطًا جدًا: التعريف بالبلد، وتعزيز رياضة الدراجة الهوائية في فلسطين التي هي شبه معدومة، رغم أنها وسيلة صديقة للبيئة، وصحية، وتنعش الروح برؤية الأماكن والحديث مع الناس.
الفكرة التي بدأها صهيب بشكل فردي، بدأت تتكون ملامحها بشكل واضح، لتنطلق رسميا عام ٢٠١٥ ومع كل جولة، كان صهيب يتعمق أكثر في الفكرة، ويرسم طريقه بوضوح أكبر.
ليست قمامتي ولكن هذا وطني
بالنسبة لصهيب، لم يكن الأمر مجرد ممارسة لرياضة صديقة للبيئة، فقد ربط سمارة هذه الهواية بمبادئ إنسانية ووطنية، تعزز الإنتماء بفلسطين، فنفذ مبادرات وحملات عديدة، منها مبادرة: “ليست قمامتي ولكن هذا وطني”، والتي كانت تقوم على الذهاب إلى مناطق متنوعة في فلسطين التاريخية، وتنظيفها من القمامة.
يقول: كنا نذهب إلى المناطق على شكل مجموعات على الدراجات الهوائية، وندعو الناس لاستخدامها، مشهدنا ونحن نقود الدراجات الهوائية في الأرياف والمدن والمخيمات شجع الكثير من الشباب على التنقل بالدراجة الهوائية في حياتهم اليومية.
حتى السابع من تشرين الأول/أكتوبر، شارك في جولات “فلسطين عالبسكليت”، أكثر من ٣٠ ألف مشارك من مختلف مناطق فلسطين، نصفهم من الإناث، واستطاعت المبادرة خلال سنوات عمرها بناء شبكة علاقات واسعة مع جامعات، وشركات، ومؤسسات مجتمع مدني، كما شارك صهيب ورفاقه الدراجون أيضًا في مؤتمر المبادرات الخضراء في إيطاليا، حيث مثلوا فلسطين هناك أحسن تمثيل.
أقرب إلى الناس
وكان صهيب في البداية هو من يبادر بالتواصل مع رؤساء البلديات والمجالس القروية، من أجل تنظيم جولات في قراهم، لكن مع الوقت، تغيّر المشهد، وصار الناس هم من يتواصلون مع صهيب، وزملائه القائمين على المبادرة ويقولون لهم: “تعالوا تعرفوا ع بلدنا”.
يقول صهيب: كان أهالي المناطق التي نزورها يشاركون معنا في الجولات، يستقبلوننا، ويفتحون بيوتهم وحقولهم لنا، شكلنا نموذج جيد للمبادرات الاجتماعية التي تعزز من الروابط والعلاقات بين الناس، وفي نفس الوقت تعزز ثقافة ممارسة الرياضة والحفاظ على البيئة.
ولعل أكثر ما يفخر به صهيب في مبادرة فلسطين عالبسكليت، أنها ركزت على دعم المنتج المحلي، ودعم الفلاحين والمزارعين في كل بلدة، يقول: كنا نشتري الجبنة، واللبنة، والمنتجات الزراعية، وأحيانًا نشتري محصولًا كاملًا من الخضار أو الفواكه الموسمية، الفلاحون كانوا يشعرون بدعم حقيقي، لا رمزي، وشاركنا في مساندة المزارعين، خاصة في موسم قطف الزيتون وغيرها من الأعمال الزراعية.
يتابع: وصلنا في جولاتنا إلى مناطق معزولة ومهمشة، وزرنا الكثير من التجمعات البدوية، كنا ننطلق غالبًا من رام الله، نذهب إلى القرية، نتجول فيها بالدراجات، نقوم بنشاطات عديدة، وأحيانًا ننتقل من قرية إلى أخرى في نفس الجولة، وكانت المبادرة تتكفل بتوفير دراجات للناس الذين لا يملكونها.
كسرت حواجز الاحتلال
حملت مبادرة فلسطين عالبسكليت العديد من الشعارات الإنسانية والوطنية السامية، كان منها شعار “اعرف بلدك” الذي ظل حاضرًا بقوة طوال فترة المبادرة، إلى جانب شعار “شعب واحد” تعزيزا لفكرة خلق مساحة حرة مشتركة يلتقي فيها شباب القدس والضفة والداخل المحتل معا، ليشاركوا في الحملات ويتعرفوا على بعضهم البعض ويكسروا الحواجز الوهمية التي وضعها الاحتلال بينهم.
إلا أنه رغم كل هذا النجاح الذي حققته المبادرة، فمنذ بدء الحرب، لم تخرج فلسطين عالبسكليت في أي جولة أو أي مسار، يقول صهيب: لم يكن من السهل تجاهل حالة الحرب، والمجازر والمجاعة التي يعيشها الناس في غزة، هذا ليس من شيمنا ولا من أخلاقنا.
إلى جانب ذلك كله، يشير صهيب إلى حالة انعدام الأمن في كل الضفة الغربية منذ بداية الحرب، فتنظيم جولات في هكذا وضع أشبه بالسباحة نحو الموت، خاصة وأن المستوطنون في الآونة الأخيرة استوحشوا في اعتدءاتهم على الناس بشكل كبير، حتى بات الوصول إلى بعض القرى والمناطق شبه مستحيلا.
لم يستسلموا رغم المعيقات
هذا التوقف المؤقت للمبادرة، لا يعني استسلام القائمين عليها، لظروف البلاد، فلا يزال صهيب يحاول اليوم، خاصة بعد توقف الحرب، إنعاش المبادرة بالتعاون مع العديد من المؤسسات الشبابية، لتنفيذ بعض الجولات، وتجديد العلاقة مع أرضنا ووطنا.
رغم الوضع المحبط الذي نعيشه، يفخر صهيب بأن مبادرة “فلسطين عالبسكليت”، نجحت رغم التحديات، في رسم مسار كامل للدراجين، يبدأ من جنين وينتهي في الخليل، ويمر بالمواقع السياحية، الدينية، والتاريخية في فلسطين، حيث تم رسم المسار على امتداد الضفة الغربية كلها.
يقول: نعرف أن جغرافية فلسطين ليست سهلة للدراجات، لكننا تخطينا هذا التحدي لأننا كنا نؤمن بالهدف والرسالة السامية التي نسعى لإيصالها، وهي أن فلسطين تستحق منا الكثير، وواجب علينا بأن نستمر في الحفاظ عليها رغم كل التحديات.
صهيب الذي تخل عن مهنته في الإسعاف كي يتفرغ لهذا المشروع، لأنه أحبه بصدق، وآمن به كفكرة ورسالة، أضحى كل ما يتمناه اليوم، أن تستقر الأوضاع في بلادنا وتتوقف هجمات المستوطنين، حتى تستطيع المبادرة العودة إلى ازدهارها من جديد.