خراريف فلسطين - بقلم: وفاء عاروري
كان يومي المدرسي الأول “في الصف الأول”، أنا البنت الكبرى لعائلتي، وفي هذه الحالة تتكفل عادةً إحدى بنات العم الأكبر سنا باصطحاب ابنة عمها الصغيرة معها إلى المدرسة، وتكون المسؤولة عن ذهابها وعودتها سالمة، والتزاماً بالتعليمات التي أعطيت لي من ابنة عمي الكبرى يومها، أنهيت حصصي الدراسية وتوجهت مباشرة إلى غرفتها الصفية.
كانت المعلمة تشرح، دخلت الصف من خلفها وجلست إلى جانب ابنة عمي، دون أن أنبس بكلمة واحدة “كانت في الصف الحادي عشر”، فارتفعت الضحكات في الغرفة، طلبت مني المعلمة الخروج وطلب الإذن للدخول من جديد، في يومي الأول تعلمت درس الاستئذان، صارت لي حكاية مع الحياة في يومي الأول من مرحلة الوعي.
قبل هذا الموقف، لا أتذكر إلا أشياء بسيطة جدا ومتقطعة من حياتي، بينها “تنورة سودا ونضارة كشخ كنت لابستها بحفل تخرج الروضة”، وكأن الرحلة بدأت من هنا، وكلما جاءت سيرة العمر، وأردت أن أتحقق: هل كبرت أم لا؟ أقارن نفسي مع تلك الطفلة التي دخلت غرفة الصف يومها بلا استئذان، ماذا عاشت منذ ذلك اليوم؟ ماذا أضافت إلى دروس الحياة؟ وماذا حل بقلبها؟ هل لا يزال قلب تلك الطفلة نفسها؟ هل لا يزال قادرا على الحب والأهم: على المسامحة؟
وكي أكون صادقة: أنا لم أحاول ولا مرة أن أضحك على نفسي بقصة أن العمر مجرد رقم “أُدرك أن كثيرين يقولون ذلك عادةً كي يواسوا تجاعيد وجوههم وأيديهم وأعذرهم في ذلك”، ولكن هذه خديعة كبرى.
العمر ليس مجرد رقم، وليس رقما مجرداً، العمر هو تجاربنا في الحياة “الصغيرة منها والكبيرة”، معاركنا اليومية التي نخوضها، رحلاتنا، مساراتنا، فرحنا وحزننا، نجاحاتنا وخساراتنا، العمر هو اختبارنا في القدرة على الاستمرار وتحمل ما نعيشه في علاقاتنا الإنسانية المعقدة، هو استطاعتنا النهوض بعد الوقوع، العمر هو كل الناس الذين نجحنا في الاحتفاظ بهم إلى جانبنا، وأولئك الذين خذلونا على طول الطريق.
ما أقصده: هو كيف يكون العمر مجرد رقم، إذا كان هذا الرقم هو ما يحدد طبيعة التجارب التي نعيشها؟
والأهم: هل تشيخ قدرتنا على الحب معنا؟ أم أننا في الشعور نبقى أطفالا؟ لا أهمية للتجاعيد بالنسبة لي: “يعني البوتوكوس والموتوكس موجود عند الحاجة”، ما أخشاه فقط هو أن يشيخ شعورنا..