خراريف فلسطين - غزة : ميرفت عوف
بين أزقة مخيم الشاطئ (غرب مدينة غزة)، يتجول المهندس المدني محمود عبيد على أمل أن يلتقط زاوية تصوير جيدة لمحتوى يتجهز لتقديمه بين أنقاض المخيم الذي نال الاحتلال من بيوته خلال الحرب الأخيرة على غزة.
وبينما هو كذلك، يستوقفه رجل ثلاثيني غريب بلهفة الممتن قائلاً: “شفنا الفيديو تبعك عن أصوات الانهيار. وفعلاً، لما سمعنا الصوت، تحركنا فوراً. بعد خروجنا بساعة، انهار البيت بالكامل”.
كانت لحظة امتنان وعرفان كبيرة بالنسبة لعبيد، أصبح أكثر ثقة في أهمية ما يقدمه من محتوى لإنقاذ العائلات من موت محقق، لكنه يصمت للحظة، ثم يقول لـ راوية “خراريف فلسطين” بصوت يختلط فيه الواجب الإنساني مع مرارة الواقع: “هو شعور مخجل لو وصفتُه بالفرح. لكن “من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً’.
دمروا بيتي الجديد قبل أن أسكنه
تحمل حكاية محمود عبيد في طياتها مفارقة مؤلمة، فالمهندس الذي ظل لسنوات عديدة يبني بيوت الناس ويقدم لهم الفرحة، فقد بيته ومكتبه الهندسي ومعداته منذ الأيام الأولى للحرب. يقول: “كنت سأنتقل إلى شقتي الجديدة في شهر أكتوبر الذي اندلعت فيه الحرب، لكنها دُمرت في نفس الشهر، أي في الأيام الأولى للحرب”. ويضيف : “أصبحنا بلحظة في العراء، نبحث عن مكان ولقمة لعائلتنا”.
اليوم يعكف عبيد على تقديم محتوى فيه إرشادات عملية وحيوية للنازحين بحكم خبرته الهندسية، يتحدث فيه عن كيفية تقييم سلامة المباني المتصدعة وتجنب خطر الانهيار، إلى جانب أفضل الطرق الهندسية لبناء الخيام وتدعيمها لمواجهة المطر والرياح، حيث انتقل عبيد من مهندس للأبراج الشاهقة إلى مهندس للركام أو مهندس للبقاء إن صح التعبير.
فقبل الحرب اعتاد أن يحكي عن تأسيس عمارات مكونة من عشر طوابق أو سبع طوابق، عن مبانٍ ضخمة لمؤسسات، أما الآن فهو يحاول أن يكون نافعا حتى بعد كل التدمير الذي حصل في غزة، فالحال أن الهدم هو السائد حاليا في القطاع لا البناء.
ولذلك يتحدث عبيد عن خطر المباني الآيلة للسقوط، عن إمكانية السكن في شقة محترقة مثلا، أو عن بناء خيمة بميل معين حتى لا يغرق أهلها.
صوت لا أحد منا يرغب بسماعه!
في المقطع آنف الذكر والمعنون “صوت لا أحد منا يرغب بسماعه”، يتحدث عبيد عن النقاط المشتركة التي تصدرها المباني الآيلة للسقوط، من مبان غزة المقصوفة.
يقول عبيد في محتواه هذا إن المبنى المهدد يخاطب صاحبه بلغة بصرية فالشقوق الجديدة هي بمثابة تحذير جاد، وأيضا بلغة سمعية حيث الأصوات التحذيرية التي تعد إنذارا أخيرا يتطلب إخلاء فورياً.
وذلك كون غالبية مباني غزة صممت بعد العام 1995 على أنظمة الأكواد الأمريكية والبريطانية التي تمنح آلية نظام “الانهيار الآمن”.
ورغم أن عبيد تواجد في ساحة صناعة المحتوى قبل الحرب، وكان يخصص ما يقدمه لطلبة كلية الهندسة المدنية من إرشادات مهنية من الصعب أن يوفرها المنهاج الجامعي، إلا أنه لم يستطع استعادة قدرته على تقديم المحتوى إلا عندما توقفت الحرب تماما في يناير (كانون الثاني) 2025، آنذاك بدأ يقدم محتوى يتناسب مع الوضع المرير الذي فرضته الحرب على سكان قطاع غزة، وقد يكون محقا في اختيار موعد عودته من جديد، لأن البناء والإعمار أمر مستحيل في ظل كل القصف والدمار الذي شهدته غزة خلال الحرب، لذلك فإن عودته تشبه النهوض من الرماد، تماما مثلما تحاول غزة أن تفعل الآن.
استغاثات من أجل النجاة
كانت عودة عبيد إلى صناعة المحتوى، هي على الأكثر استجابة انسانية لحاجة المواطنين لمن يرشدهم، فحين عاد النازحون إلى شمال قطاع غزة وجدوا بعض المباني ظلت قائمة ولكنها متصدعة نتيجة القصف المباشر أو غير المباشر.
فانهالت الاستغاثات على عبيد، من أجل “النجاة” من المباني الآيلة للسقوط، وكانت الأسئلة تتكرر بقلق: “الجدار متصدع، السقف مفتوح، المبنى محترق.. ماذا نفعل؟”. يخبرنا عبيد أن كمية الاتصالات المهولة أعجزته عن الاستجابة للجميع، ويوضح: “كان الناس في حالة تعطش لمعلومات قد تكون فارقة في الحياة”.
في فيديو آخر، يشرح عبيد لأهل الخيام، كيف أن الخيمة ذات السقف ثنائي الميل أفضل بكثير من السقف أحادي الميل في تصريف مياه الأمطار. يقول: “إنه شيء مؤلم جدا بالنسبة لي أن أنتقل من الحديث عن تأسيس العمارات إلى شرح أفضل طريقة لبناء خيمة تقي من المطر، لكن هذا هو الواقع، وعلينا أن نتماشى معه”.
الخيام تسقط على رؤوس ساكنيها
يخبرنا عبيد أن المحتوى الذي يقدمه حول إنشاء الخيام لم يأت من فراغ، بل من قلب المشاهد اليومية الموجعة التي يعايشها. يروي عبيد: “كنت أمشي في الطرقات خلال المنخفض الجوي، وأرى الخيام وقد انهارت على ساكنيها، وربة أسرة تجلس أمام خيمتها المنهارة تبكي، في مشهد ينفطر له القلب”.
ويعود عبيد بذاكرته مع “خراريف فلسطين” إلى ما قبل هذه الحرب، إلى أجمل لحظات إنجازه، عندما كان يشرف على بناء جديد لأصحاب البيوت المهدمة من حروب سابقة على غزة.
يخبرنا أنه في إحدى المرات أقسمت له امرأة، أن فرحتها بمنزلها أكبر من فرحتها بالمنزل الأول الذي هدمه الاحتلال.
يفسر عبيد لنا هذا الشعور العميق بالقول : “عندما تبني من جديد، تتاح لك فرصة لتصحيح كل شيء لم يعجبك في السابق، واقتناء كل ما كنت تحلم به.
يستذكر عبيد هذا الموقف ليس من باب الحنين إلى الماضي فحسب، بل كي يستمد الأمل، بأن غزة ستعود من جديد بحال أفضل مما كانت عليه سابقا، يقول بإيمان راسخ: اللي جاي خير بإذن الله.