خراريف فلسطين - على أحد جبال بلدة دير الغصون، اجتمعت نساء من مخيمي طولكرم ونور شمس بعد أكثر من عام على الفراق والنزوح. الجبل، بصخوره العتيقة التي تحتضن بقايا البيوت القديمة، بدا كأرشيف حي لما تركه الفلسطينيون قسرًا عام 1948، شاهدًا صامتًا على تاريخ لم يمحُه الزمن.

  كان اللقاء أكثر من مجرد لقاء عادي، كان محاولة شجاعة لاستعادة الأمل من بين أنياب النزوح، وإعادة تجميع شظايا الذاكرة التي بعثرتها السنوات. 

على هذا الجبل، أعادت النساء ترتيب الزمن كما يعرفنه: زمن الجمعات الدافئة، والطهو المشترك، والحكايات التي لا تُروى إلا حين تتقاطع الوجوه. 

 حملت كل امرأة معها أدوات الطهي التي فقدت مطابخها، وعجين الفطائر التراثية، وصناديق البرتقال التي تفوح برائحة البيارات المسلوبة.

 كانت هذه الأشياء مفاتيح لذاكرة ما زالت تصر على البقاء حيّة.  

جلست المسنة زينب قطاوي على صخرة، تعصر حبات البرتقال بعناية، ووجهها يشع فرحًا هادئًا لا تمحوه خطوط النزوح المتراكمة عليه. 

قالت وهي تستحضر يافا، موطنها الأصلي: “هذه الحبات تذكرني ببيارات والدي قبل النكبة… أتمنى أن أرى يافا محررة يومًا.”  

ومع اشتعال الفرن، امتزج أزيز النار بأحاديث النساء المتقاطعة، قبل أن يخترق المشهد صوت الأغاني الشعبية. سناء زريقي، نازحة من مخيم نور شمس، غنّت للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، تلك السنوات التي لم يعرف فيها المخيم سوى مواكب الشهداء. 

قالت إن الغناء هنا لم يكن احتفالًا، بل مقاومة صامتة، محاولة صغيرة لإعادة الفرح إلى نساء اعتدن الحداد الطويل.  

الهواء البارد لامس وجوههن، حاملاً قسوة النزوح، لكنه لم يستطع أن يطفئ حرارة اللقاء. تحدثت الشابة شدن سروجي عن صعوبات الحياة اليومية في المخيم، عن ثقل الانتظار الذي يحيط بالشباب، لكنها وجدت في هذه اللمة مساحة للاطمئنان، ولتبادل الأخبار والحكايات، في زمن أصبح فيه اللقاء ترفًا مؤجلًا.  

ورغم بساطة المشهد، أعاد اللقاء دفء أيامٍ سرقها النزوح، ومنح النساء إحساسًا بأن الحياة لا تزال ممكنة رغم كل القسوة، وأن الروابط التي جمعتهن في المخيم لم تنقطع، حتى لو فرّقتهن المسافات.

انقر هنا لمشاهدة القصة المصورة



مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم