“لم أكتشف نفسي في الفن فجأة، ولم أصحُ يومًا وأقول: “أنا رسام”، أنا ببساطة… كنت أرسم دائمًا…”
هكذا عرّف رسام الكاريكاتير الغزّي، محمود عباس عن نفسه.. يقول: “تروي أمي أنني عندما كنت في عمر السنة، كنت أبكي إن رأيت أحد إخوتي يكتب واجباته، فقط كي أمسك القلم، واليوم، حين أرى ابني الصغير يفعل الشيء ذاته، أفهم نفسي أكثر، هناك أطفال يُولدون ومعهم القلم، قبل أن يعرفوا اسمه، هكذا كبرت وأنا أرسم وأكتب دون انقطاع..”
عرفتُ محمود من خلال تفاعله على منصات التواصل الاجتماعي، كان دائم التفاعل خاصة في القضايا المتعلقة بفلسطين، وبغزة على وجه الخصوص، بالإضافة إلى أن تطابق اسمه مع اسم الرئيس محمود عباس، زاد من اهتمام متابعيه وفضولهم لمعرفته بشكل أكبر، خاصة وأنه رساما كريكاتيريا.
يقول إنه منذ طفولته كان أساتذته وزملاؤه في الصف ينادونه «أبو مازن»، من باب الملاطفة، وعندما كبر وسافر إلى أوروبا، صار كلما يعرف عن نفسه يبتسم البعض، ويلقبونه: Mr. President
من أين بدأت الحكاية؟
في فلسطين، لا تكتشف المواهب بشكل عادي، أن تكون في الصف مثلا، فيطلب منك الأستاذ أن ترسم شيئا، فيصدم بموهبتك، لا تسير الأمور على هذا النحو أبدا، نحن تشابهنا مع البلاد في كل شيء، لم تكن فلسطين في أي مرحلة من مراحلها التاريخية بلدا عادية، وهكذا حياة أهلها أيضا، حكاية غير عادية.
اكتشف محمود موهبته على جدران الشوارع الممتدة بين بيت لاهيا إلى جباليا، زمن الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، يقول: “قبل فيسبوك وتويتر، كانت الجدران هي وسيلتنا الوحيدة للكلام، “الجدار كان هو الفيسبوك الحقيقي”.
لم يكن محمود يوقع باسمه، لكن الناس عرفته من خلال خطه مع مضي الزمن، يكتب نعي الشهداء، ويعلن الإضرابات، ويرفع البيانات، ويقدم الدعوات للفعاليات المختلفة، بخطه الشهير، كل ذلك وهو طفل بعمر لا يتجاوز ١٤ عاما.
وقد لا يصدق كثيرون، أن محمود امتهن الفن قبل ذلك، وهو بعمر ١٢ عاما فقط، فكان يذهب من مكتبة إلى أخرى ويعرض عليهم خدمة رسم بوسترات تعليمية: مثل رسومات الجهاز العصبي، الجهاز العظمي، وأي شيء في المجالات التعليمية، ويأخذ عليها نصف سعر المحترفين، فقط لأنه طفل.
يقول: لم أكن أستحي من العمل في موهبتي، كنت أستحي فقط ألا أقدر على شراء ألواني، ففي طفولتي لم تكن الأدوات متاحة، وكانت الألوان مكلفة جدا، وأنا من أسرة كبيرة وإمكانياتها المادية محدودة، لذلك اشتغلت مبكرًا، كي أستطيع مواصلة موهبتي.
الفن وسيلة للبقاء
الفن لم يكن هواية فحسب بالنسبة لمحمود، بل وسيلة للبقاء والتعايش مع ظروف غزة المعيشية الصعبة.
لاحقا درس عباس التصميم والمونتاج، في جامعات غزة، وهناك تشكّل وعيه الوطني والإنساني، وبدأ احتكاكه الحقيقي مع العالم، فطور موهبته ليكون رسامًا تشكيليًا قبل أن يصبح كاريكاتيرست.
ومع بدء حرب عام ٢٠٠٨ على غزة، عاش محمود تحولا تاريخيا في مسار حياته، فقد أخيه مصطفى، ثم أخيه حسين، ثم والده، ثلاثة شهداء من عائلته في فترة قصيرة، ورغم ذلك لم يسمح للألم أن يقتله، لكنه غيّر اتجاه الريشة، لتصبح ريشة مقاومة وصمود، لا ريشة فن فحسب.
يقول: في الوقت نفسه، كان العالم يتغير، وكان أوج انطلاق عالم السوشال ميديا والرسم الرقمي، التابلت، القلم الضوئي، آنذاك لم يعد رسام الكاريكاتير بحاجة إلى صحيفة تتبناه، صار بإمكانه أن يصنع من صفحته صحيفة كاملة، هنا تحديدًا، بدأتُ رسميًا كرسام كاريكاتير.
الكاريكاتير: فكرة وليس فنا فحسب
ولدى سؤاله عن معنى رسم الكاريكاتير بالنسبة له، وماذا يميز هذا الرسم عن غيره من أنواع الفن الأخرى، قال: الكاريكاتير ليس فنا فحسب، بل فكرة إبداعية.
رسام الكاريكاتير يجب أن يكون مثقفًا، واعيًا، سياسيًا، اجتماعيًا، إنسانيًا، ليس مطلوبًا منه أن يشرح رسمته، الرسم الجيد يشرح نفسه.
ثم تابع: وليس شرطا أن يكون الرسم نفسه عظيما، بقدر أهمية أن تكون الفكرة بحد ذاتها واضحة وجريئة، وقادرة على الوصول إلى قلوب الناس، فأعظم رسومات الكاريكاتير كانت خطوط بسيطة بلا ألوان، ولكن فكرتها عظيمة.
حديث محمود أعاد بذاكرتي إلى رسومات الفنان الفلسطيني الكبير والسياسي الناقد، ناجي العلي، فرسوماته كانت بسيطة في الخطوط، حادّة في التعبير، لكنها محمّلة بموقف سياسي وأخلاقي واضح.
من منا ينسى حنظلة؟ الشخصية التي ابتكرها ناجي العلي، والتي ترمز لطفل لاجئ يدير ظهره للعالم ويداه معقودتان خلف ظهره، ليصبح شاهدًا دائمًا على الظلم والاقتلاع الفلسطيني للاجئ.
لم يكن حنظلة زينة فنية بلا معنى، بل اختزالًا لفكرة كاملة، تحمل في طياتها: الوعي، والرفض، والذاكرة التي لا تُساوم، هكذا تحوّلت رسومات ناجي العلي من مجرد كاريكاتير إلى خطاب بصري إنسانيٍ واعٍ، يؤكد أن قوة الرسم لا تكمن في جماله الشكلي، بل في الفكرة التي يحملها وقدرته على إزعاج السلطات وملامسة هموم الناس.
أوروبا… والمساحة الأوسع للحرية
غادر عباس غزة عام 2012، ليكتشف لأول مرة في تاريخه، أن العالم أكبر بكثير مما يراه الغزيون من داخل سجنهم الصغير، يقول: في غزة، كنا نعتقد أن الجميع يعاني مثلنا، أن الكهرباء تنقطع في كل مكان، أن الناس لا تتحرك بلا تصاريح.
الخروج كشف لي حجم الظلم الذي يعيشه الغزيون، وجعلني أرى فلسطين “من بلاد الضباب”، أكثر وضوحا.
هناك، اتسعت بوصلة محمود، أصبح أكثر إدراكا ووعيا بقضايا الشعوب الأخرى، وأكثر التصاقا معها في فنه.
نتقاطع أنا ومحمود في رؤيتنا بأن الفلسطينيين من أكثر الشعوب إنسانية، وشعورا بقضايا غيرهم، وخاصة الشعوب المضطهدة، لأنهم أكثر من تجرّعو الألم على مر التاريخ نتيجة الاحتلالات المتتالية، هذا الأمر زاد من قدرتنا على التعاطف والمناصرة، والوعي في ذات الوقت بما يجري حولنا في العالم.
بالنسبة للفلسطيني، المبادئ لا تتجزأ، إن كنت تناضل من أجل الخلاص من الاحتلال، فهذا يعني أنك ترفض أي احتلال لأي بلد في أي مكان، ترفض استعمار البلاد بكافة أشكاله، تناصر الشعوب المظلومة تلقائيا ودون أن تقرر أن تفعل ذلك.
ولا يمكن الإنكار أن محمود استفاد من المساحة الممنوحة لحرية الرأي والتعبير في البلدان الأوروبية، فرفع سقف التحدي في رسوماته، انتقدت الأنظمة، التطبيع، سياسات الحكومات، لا من باب الاستفزاز، بل من باب الوقوف مع الإنسان وحقوقه، وهذا كله جعله أكثر انتشارا، ووصولا عبر رسوماته، إلى ملايين الناس في العالم.
تهديدات وملاحقات
يقول: لكن بعض الرسومات كلّفتني كثيرًا، من تهديدات، إلى حملات تشويه، وإساءة فهم متعمدة، كان أكبرها عام 2020، حيث نشرت كاريكاتيرا عن انهيار أسعار النفط خلال كورونا، ما جعلني ترندًا في السعودية، وصل الأمر إلى تصريحات رسمية من الدول، ووردتني اتصالات، وتهديدات بالقتل على خلفية ذلك الرسم.
ورغم ذلك، رفض محمود الاعتذار، لأن الاعتذار يعني الاعتراف بخطأ لم يرتكبه.
الإبادة… والعودة إلى الإنسان
ورغم أن فن الكاريكاتير بحد ذاته، قائم على النقد والسخرية، إلا أنه مع الحرب الأخيرة على غزة، لم يعد هناك مجال للسخرية السياسية، كان واضحًا أننا أمام إبادة، أمام جيش مدعوم من أقوى دول العالم، في مواجهة شعب أعزل، هنا، اخترت الجانب الإنساني. “يقول محمود”.
يتابع: “إذا ما وقفت مع شعبي بهذا الوقت، فما في معنى لكل اللي عملته بحياتي”.
استغل محمود متابعة مئات آلاف الناس له على صفحاته، من أجل الحديث عن وجع غزة، ومعاناة أهلها، جعلها منبرا للمناشدة بحقوق الغزيين، والمطالبة بوقف الإبادة بحقهم، غزة التي خرج منها ولم تخرج منه، ففي كل شارع له حكاية معها، وعلى كل جدار خطه لا يزال موجودا.
لدى محمود ثلاثة أبناء وبنت، البنت- واسمها ريم- يبدو أنها أكثر من حملت جينات والدها، ريم ترسم بشكل جميل، يشجعها والدها ويشتري لها الأدوات، وأحيانا ينشر رسوماتها على صفحاته على مواقع التواصل فيشاهدها آلاف الناس ويدعمونها.
رغم ذلك يرفض أن تُستهلك ريم في عالم الشهرة مبكرًا، ويرفض أن يكون لها منصاتها، يقول: أريد لأولادي أن يكبروا طبيعيين، أحرارًا، ربما لن يصبحوا رسامين، لكن يكفيني أن يعرفوا أن الريشة يمكن أن تكون موقفًا إنسانيا ينتمي له الإنسان ويدافع عنه ويدفع ثمنه، طوال حياته.
محمود عباس الفنان، لم يعش يوما حياة رفاهية، أو على الأقل حياة عادية، فمن الكتابة على الجدران، إلى حياة الحرب وفقدانه ثلاثة أفراد من عائلته، ثم الهجرة “غير الطوعية” نتيجة انعدام ظروف الحياة الإنسانية في غزة، إلى الملاحقة نتيجة فنه ومواقفه، كل ذلك جعله نموذجا للإنسان الفلسطيني العادي، الذي يدفع ثمن فلسطينيته أينما ذهب.