البيتاوي يروي حكاية “Edupro” أول منصة للذكاء الاصطناعي في فلسطين

خراريف فلسطين - أتذكرون فترة جائحة كورونا؟ كيف شُلت حركة البلاد بشكل كامل؟ وكيف تعطلت حياة الناس في كافة المجالات؟ وكيف فقد كثيرون مصادر رزقهم؟

كنا نرى الجائحة مثل كابوس، ننتظر انتهائه بفارغ الصبر، وكأن عجلة الزمن توقفت عن الدوران فجأة، خسائر العالم بالمليارات في كافة المجالات، لم يكن تجاوز الأمر وعودة الحياة إلى مسارها أمرا سهلا.

الغريب في الأمر، أنني في الآونة الأخيرة، كلما قابلت ريادياً، وسألته كيف راودتك فكرة هذا المشروع؟ إما أن يقول لي إن الفكرة تولدت في فترة الجائحة، أو أن أوج ازدهار مشروعه كان في فترة جائحة كورونا، وعلى قول أجدادنا: “مصائب قوم عند قوم فوائد”.

في الحقيقة، يبدو أن البعض كان بحاجة إلى عصف ذهني وسط كل التوتر اليومي الذي نعيشه، كي يحرك محفزات الإبداع في مخيلته وينتج أفكارا ابداعية، تعود بالنفع علينا جميعا. 

إن لم يخيبني ظني، فإن سامر البيتاوي، أحد هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يحتاجون تلك الفسحة لإخراج ما في جعبتهم من إبداع.

هو رائد أعمال فلسطيني، تنبه إلى الأثر الكبير لجائحة كورونا على مجال التعليم، وكيف تضرر طلبة المدارس بسبب عدم انتظام التعليم الوجاهي، فبدأ ببلورة فكرة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم.

إدخال الذكاء الاصطناعي بالتعليم: أشبه بالجنون

كانت الفكرة أشبه بالجنون، “كيف يعني الذكاء الاصطناعي بدو يعلم الطلاب؟” يقول البيتاوي، في إشارة أن فكرته لم تلق آنذاك قبولا من كافة أطراف العملية التعليمية.

ولكن مع بدء الحرب على غزة، وفقدان أكثر من مليون طالب فلسطيني لمقاعدهم الدراسية، زادت قناعة البيتاوي وإيمانه بهذه الفكرة، لأنه أصلا “لا عملية تعليمية في غزة”، ما الذي سيضر إن منحنا الثقة للذكاء الاصطناعي، ليعوض جزءا من الفاقد؟

هذا التهديد الخطير “أقصد فقدان الطلبة حقهم في التعليم المباشر” دفع البيتاوي إلى تأسيس وإطلاق أول منصة تعليمية بالذكاء الاصطناعي، في فلسطين واسمها “Edupro ” والتي خصصها بشكل كامل للمنهاج الفلسطيني الرسمي.
يقول: بدأنا بالتجربة مع طلبة الثانوية العامة (التوجيهي)، ونجحت التجربة، وبعدها توسعنا لصفوف أخرى.

يشرح البيتاوي لخراريف فلسطين، أن فكرة المنصة بسيطة لكن عميقة:
“نقوم بتدريب الذكاء الاصطناعي فقط على المنهاج الفلسطيني، بحيث يفهم المادة، الأمثلة، والنظريات، ويكون قادرًا على شرحها للطالب بطرق متعددة.”

يتابع: مع الوقت واجهتنا تحديات، لأن الذكاء الاصطناعي بطبيعته ممكن أن يخرج عن الإطار إذا لم يتم ضبطه. لذلك أدخلنا مفاهيم مثل: ضمان الجودة، التدريب المستمر للأنظمة، مراقبة دقة المحتوى التعليمي، إلى أن وصلنا إلى منصة تعليمية متكاملة.

لا يمكن أن تحل محل المعلم

وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون أن هذه المنصة التعليمية جاءت لتحل محل المعلم، فإن صاحب المنصة يؤكد أنها لا يمكن أن تحل محل المعلم الحقيقي، هي تساعد في شرح الدروس للطلبة وتعطي عدد لا محدود من الأمثلة، وتجيب على تساؤلات الطلبة، خاصة في ظل غياب المعلم بشكل كامل كما يحدث في غزة على سبيل المثال.

لكنها لا يمكن أن تخلق هذا التفاعل الانساني الذي يحدث في الصف التقليدي.

“الذكاء الاصطناعي ما عنده عاطفة، ما عنده قلب، ما بيقدر يتفاعل إنسانيا، ودور المعلم الحقيقي مش بس يشرح مادة، بل يعزز قيم، وهوية وطنية ويزرع مبادئ، لذلك الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز كونه أداة تعليمية مساعدة.

وحول الفرق الجوهري بين منصة إديو برو، وغيرها من منصات الذكاء الاصطناعي، ولماذا اتجه البيتاوي لإطلاق منصة خاصة بالمنهاج الفلسطيني، في حين أن شات جي بي تي مثلا، قد يستطيع الإجابة على تساؤلات الطلبة.

يقول البيتاوي إن منصات الذكاء المختلفة تعتمد على مليارات المعلومات العامة، أما منصته في مدرَّبة حصرا على على المنهاج الفلسطيني، وهذا مهم جدًا، لأن الطالب الصغير إذا سأل سؤالا لن يأخذ أي إجابة من خارج منهاجه، أو إجابة غير مناسبة لمرحلته العمرية.

يؤكد: نحن نريد معرفة دقيقة، غير مشوشة، وتحترم سياق الطالب الفلسطيني.

المنصة: محل اهتمام عربي ودولي

وعن مستوى انتشار المنصة، وتفاعل الطلبة معها، أوضح البيتاوي أنه، خلال فترة قصيرة جدًا، منذ تشرين الأول 2025 وحتى اليوم، استخدم المنصة أكثر من 5000 طالب، وأصبح هناك اهتماما عربيا من دول أخرى بالمنصة، مثل الكويت، الأردن، والسعودية، كما بدأ نقاش مع جهات دولية، من بينها اليونسكو حول كيفية تعميم الفائدة منها على أكبر عدد من الطلاب.

هذا التميز الفلسطيني، الذي ولد من رحم الحرب والوباء، وجاء ملبيا حاجة الطلبة لبديل موثوق، في ظل السياقات المعقدة التي نعيشها، ترشح لجائزة عالمية في مجال التعليم والذكاء الاصطناعي، وحصل على المركز الأول في القدس بين 60 مشروعًا تدريبيًا.

مجانية لطلبة غزة وستبقى

ولعله أحد دواعي الفخر بهذه المنصة، كإنجاز فلسطيني خالص، هو إصرار صاحبها، أن هذه المنصة أسست لتكون مجانية بالكامل لطلبة غزة، وستبقى مجانية لهم دائما، مشيرا في نفس الوقت إلى التحدي الأكبر وهو ضعف أو انقطاع الإنترنت في غزة.

وعلى عكس ما يعتقده الكثير من الآباء والأمهات، فإن البيتاوي يؤمن أن منع الأطفال من استخدام الذكاء الاصطناعي خطأ كبير، “نفس الشيء صار مع الإنترنت والكهرباء في بداياتها، تم محاربتها، لكن اليوم صارت جزءًا من حياتنا.” يبرر رأيه.”

مشيرا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا، بل ضرورة، لكن الأهم هو التوعية، خصوصًا للأهل والأطفال.

كرس معرفته صدقة عن روح شقيقه الشهيد

على الجانب الآخر، وخلف كل هذا الإبداع والتفكير الريادي، بدا سامر متأثرا جدا، باستشهاد شقيقه علاء قبل شهور، لم يتحدث كثيرا عن هذا الأمر، ولكن شجونا كان واضحا في صوته، وهو يخبرني أنه بعد استشهاد علاء، أصبح يقدم جلسات توعوية مجانية عبر الإنترنت حول الذكاء الاصطناعي، في المدارس والجامعات، ويحاول أن يخلق وعيا حول مخاطره، وكيفية استخدامه بشكل آمن وأخلاقي.

رفض سامر عروضًا عديدة تلقتها المنصة، من أجل تبنيها من دول أخرى، لأن هذه العروض سعت لتحويل المنصة لهويات تعليمية غير فلسطينية، يقول: الأهم عندي أن تبقى منصة فلسطينية بهوية فلسطينية، فهذا مشروع وطني قبل أن يكون مشروعا رياديا، وسيبقى كذلك.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم