خراريف فلسطين - قبل انعقاد انتخابات الهيئات المحلية الأخيرة في الضفة الغربية، وبالتزامن في مركزي اقتراع في غزة، عقدنا اجتماعا داخليا في المنصة لتوزيع المهمات على الطاقم، وكي نناقش كيف سنغطي هذه الانتخابات؟ وكي نوزع الأدوار على الفريق، كانت أنسام متحمسة جدا للتغطية، في اليوم التالي، اتصلت بنا وأبلغتنا أنها ستقوم بمهمة مساعد مدير مركز الاقتراع في بلدتها، واعتذرت عن عمل قصة رقمية، ولكننا في نفس الوقت اتفقنا أن تروي لنا أنسام لاحقا تجربتها حول هذه المهمة التي كلفت بها، هذه ما كتبته أنسام، لم نغير فيه شيء، لأنه يروي مشاهد رأتها بأم عينها وشعورا امتلكته في ذلك اليوم، من الصعب أن نتدخل فيه تحريريا.
إعداد: أنسام سباعنة
كيف غيّرتني تجربة تغطية انتخابات الهيئات المحلية؟
كانت تجربتي مع انتخابات الهيئات المحلية مثيرة للاهتمام، بل ومليئة بالأسئلة والتحديات.
بدأ كل شيء بورقة من لجنة الانتخابات تُبلغني بأنني سأشغل مهمة مساعد مسؤول المركز، وهي مهمة تتضمن مسؤوليات عديدة تبدأ منذ التحضيرات السابقة ليوم الاقتراع، وتنتهي بتسليم صناديق الاقتراع إلى مكتب اللجنة بعد انتهاء العملية الانتخابية.
لكن، وقبل الانتخابات بيوم، وفي اليوم التحضيري الذي يُفترض أن يكون فيه مساعد مسؤول المركز متواجداً في مركز الاقتراع، تلقيت اتصالاً في اللحظات الأخيرة يُبلغني بتغيير مهمتي. جاء القرار بشكل مفاجئ، وترك لدي كثيراً من علامات الاستفهام.
لماذا حدث هذا التغيير؟ وهل كان سببه أن مسؤول المركز من أبناء البلدة، فرأى أن من حقه إجراء هذا التعديل دون الرجوع إليّ؟ أم أن فكرة أن تتولى فتاة هذه المهمة لم تكن مقبولة لدى البعض؟ لم أحصل على إجابة في ذلك الوقت، لكن الأسئلة بقيت حاضرة.
رغم ذلك، مضى اليوم على خير. وجدت نفسي في مركز الاقتراع، داخل المدرسة التي درست فيها يوماً، وإلى جانب معلماتي اللواتي شاركن في إنجاح هذا الاستحقاق الوطني.
كان أول تحدٍّ بالنسبة لي أن أثبت للجميع أنني أستطيع تحمل المسؤولية، وأن اختياري لهذه المهمة لم يكن مصادفة.
أما التحدي الثاني، فكان نظرات الاستغراب من بعض أبناء البلدة. لطالما ابتعدت عن التواجد في الفضاء العام فيها، لأنني كنت أشعر، بصراحة، أنه مكان لا يشبهني. لكن هذه التجربة كانت خطوة جريئة في حياتي، جعلتني أكثر ثقة بحقي في الحضور، وأكثر قدرة على الدفاع عن وجودي بين الناس.
مررت بمواقف كثيرة لن أنساها. من بينها أنني طلبت من أحد الرجال أن يفسح المجال للداخلين لأنه كان يقف في منتصف المدخل، لكنه لم يأخذ طلبي على محمل الجد في البداية، إلى أن أدرك أنني أتحدث بصفتي المسؤولة عن تنظيم المكان، فاستجاب.
كما لاحظت أن بعض المعلمات كنّ يحرصن، عند تكليفي بأي مهمة أثناء خروجهن للصلاة، على شرح كل خطوة بالتفصيل، وكأنهن غير واثقات من قدرتي على إدارتها. لكنني كنت حريصة على أداء كل مهمة بدقة، حتى تغيّر هذا الانطباع تدريجياً.
وفي نهاية اليوم، سألت مدير المركز عن سبب تغيير مهمتي دون الرجوع إليّ. أجابني قائلاً: “كنت بدي أريحك.” بالنسبة لي، لم يكن السؤال يتعلق بالراحة، بل بالحق في الاختيار. فمن يقرر ما هو مريح لي وما هو غير مريح؟
أما على مستوى المشهد الانتخابي، فقد لفت انتباهي بوضوح حجم التأثير الذي يمارسه بعض الرجال على خيارات النساء. لم يقتصر الأمر على اصطحابهن إلى مراكز الاقتراع، بل وصل في بعض الحالات إلى مرافقة الناخبات داخل المعزل بحجة مساعدتهن، في مشهد يعكس ضعف الثقة بقدرتهن على اتخاذ قرارهن بحرية.
ورغم كل ما رأيته، بقي هناك مشهد منحني الأمل.
أكبر عدد من الأصوات في ذلك المركز ذهب إلى امرأة. امرأة أعرفها، وأعرف ثقتها بنفسها. كنت أراقبها وهي تمشي في أروقة المركز بهدوء وثبات، وكأنها تدرك أن الناس لن يخذلوها. وهذا ما حدث بالفعل.
أسعدني فوزها، ليس لأنها امرأة فقط، بل لأن فوزها كسر كثيراً من الصور النمطية التي تحاصر النساء في بلداتنا، وأثبت أن حضور المرأة وثقة المجتمع بها يمكن أن ينتصرا، رغم كل التحديات.
خرجت من هذه التجربة بإيمان أكبر بأن النساء قادرات على انتزاع مساحاتهن، وبأن كل خطوة جريئة تفتح الباب أمام خطوات أخرى. وما زلت أراهن على النساء اللواتي يقلن، بصوت عالٍ وواثق: نحن هنا.