آلةٌ نُسيّرها لا تُسيّرنا: الذكاء الاصطناعي وسؤال التعليم

خراريف فلسطين - بقلم المختص بالذكاء الاصطناعي: سامر البيتاوي

في قاعات الجامعات اليوم تدور معركةٌ صامتة. الطالب يكتب بحثه بأداة ذكاء اصطناعي، والأستاذ يكشفه بأداة ذكاء اصطناعي أخرى، فيعود الطالب إلى أدوات أحدث ليخدع الكاشف. سباق تسلّحٍ لا ينتهي، يطوّر فيه كلُّ طرفٍ سلاحه ليتفوّق على الآخر، بينما يضيع السؤال الحقيقي في ضجيج المواجهة: هل المشكلة في الأداة أصلًا؟

الأداة عَرَضٌ لا داء

لنكن صريحين: الذكاء الاصطناعي ليس أصل المشكلة، بل هو العدسة التي كشفتها. قبل سنوات من ظهوره، كانت هناك مكاتب وأشخاص يبيعون الأبحاث والرسائل الجامعية مقابل المال، والطالب يدفع ويُسلّم ويتخرّج. الذكاء الاصطناعي لم يخترع الغش، بل جعله في متناول الجميع، بضغطة زرٍّ وبكلفةٍ تقترب من الصفر. ما تغيّر هو الحجم والسرعة، لا الجوهر.

ولهذا فإن معركة “الكشف والتحايل” معركةٌ خاسرة سلفًا، لأنها تعالج العَرَض وتترك الداء. وما دام الطالب يركض خلف الشهادة لا خلف العلم، سيبقى هذا الصراع قائمًا مهما تطوّرت أدوات الكشف؛ فكل قفلٍ جديد سيقابله مفتاحٌ جديد.

نموذجٌ عمره مئة عام

شكل التعليم لم يتغيّر منذ أكثر من قرن: محاضِرٌ يُلقّن، وطالبٌ يحفظ، وامتحانٌ يقيس قدرته على الاسترجاع، وشهادةٌ تُمنح في النهاية. هذا النموذج وُلد في رحم الثورة الصناعية ليُخرّج موظفين وعمّالًا منضبطين لمصانع ومكاتب ذلك العصر. كان نموذجًا عبقريًا لزمانه — لكننا لم نعد في ذلك الزمان.

حين تصبح المعرفة المخزّنة في رأس الإنسان متاحةً لأي شخص في ثانية، يفقد التعليم القائم على الحفظ والتلقين معناه. والامتحان الذي يقيس ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه في ثوانٍ لم يَعُد يقيس شيئًا ذا قيمة. المشكلة ليست أن الطلاب يغشّون، بل أننا ما زلنا نطرح عليهم الأسئلة نفسها التي كانت تُطرح قبل مئة عام.

أن نفهم الآلة قبل أن نقاومها

الحقيقة التي نصطدم بها كلما تعمّقنا في هذا المجال هي أن المطلوب ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل فهمه. أن نعرف ما هو، وكيف يفكّر، وأين تكمن حدوده، حتى نجعله آلةً نُسيّرها لا تُسيّرنا. الطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي ليكتب عنه بحثًا لا يفهم، هو نفسه الذي سيُستبدَل غدًا بمن يفهم. أما الطالب الذي يستخدمه أداةً تُوسّع تفكيره وتُسرّع بحثه وتُحرّره من العمل الآلي ليتفرّغ للإبداع والتحليل، فهو من يصنع مستقبله.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الأستاذ ليس “كيف أمنع الذكاء الاصطناعي؟” بل “كيف أُعيد تصميم أسئلتي ومشاريعي بحيث لا يكفي فيها الذكاء الاصطناعي وحده، ويبقى للعقل البشري دورٌ لا يُستغنى عنه؟”.

الأرض تتحرّك تحت أقدامنا

ولمن يسعون خلف الشهادات من أجل الوظائف، فلننظر إلى الأرقام. يتوقّع تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن يُلغى نحو 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، في مقابل استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة، بصافي زيادةٍ قدرها 78 مليون وظيفة. ويُقدّر التقرير أن يطال هذا التحوّل ما يعادل 22% من وظائف اليوم، وأن تتغيّر قرابة 40% من المهارات المطلوبة في سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة.

المعنى واضح: الشهادة التي يركض خلفها الطالب اليوم قد لا تُطابق وظيفة الغد. الأرض تتحرّك تحت أقدامنا، والمهارة على البقاء والتكيّف صارت أهم من الورقة المعلّقة على الجدار.

درسٌ من ثورة الكهرباء

إذا أردنا أن نفهم ثورة الذكاء الاصطناعي بدقّة، فلنُشبّهها بثورة الكهرباء والثورة الصناعية. حين دخلت الكهرباء، لم تكتفِ بإلغاء وظائف وخلق أخرى، بل أعادت تشكيل التعليم نفسه: تغيّرت المناهج، وظهرت تخصّصات لم تكن موجودة، وتبدّل تعريف “المتعلّم” و”الماهر”. لم ينجُ من ذلك التحوّل من تمسّك بأدوات الماضي، بل من فهم المنطق الجديد للعصر وأعاد بناء نفسه على أساسه.

نحن اليوم في لحظةٍ مماثلة تمامًا. والفرق الوحيد أن سرعة التغيير صارت أكبر بكثير.

رؤيةٌ لا تحدّيًا

ما أقوله ليس معاندةً ولا تحدّيًا لمن يسعون للحفاظ على الشكل الحالي للتعليم؛ فقلقهم على جودة العلم وأصالته قلقٌ مشروع. لكنه رؤيةٌ تفرض نفسها: أن شكل التعليم يجب أن يتغيّر، وأن محتواه يجب أن يتطوّر — لا في فلسطين وحدها، بل في العالم كله.

علينا أن ننقل المعركة من خنادق “الكشف والمنع” إلى ساحة إعادة بناء التعليم؛ ومن قياس الحفظ إلى قياس الفهم والتطبيق والإبداع؛ ومن تخريج حَمَلة شهادات إلى تخريج أصحاب علمٍ ومهارة. فما دام الهدف هو الشهادة، سيبقى الغش؛ أما حين يصبح الهدف هو العلم، فلن يجد أحدٌ في الغش معنى — لأنه ببساطة سيغشّ نفسه.

والمستقبل، في النهاية، لن يكون لمن يملك الشهادة، بل لمن يفهم الآلة ويُسيّرها… لا لمن تُسيّره هي.



مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم