خراريف فلسطين - “كان أبوي يظل يقولي تحت هدول البيوت في “بَد” – معصرة زيتون رومانية- احفر رح تلاقيها، لحد ما اجى علينا بيوم واحنا بنشتغل في الموقع، أشر بعكازته وقال احفر هان، حفرت ولقيت البد بمكانه فعلا”.
يصف خليل “32 عاما” صدمته بالعثور على البد الروماني الذي يقدر عمره بأكثر من ألف عام، في كهف يقال أنه يعود إلى العهد البيزنطي، وذلك أسفل البيوت التي أقيمت عليها “السقيفة”.
والسقيفة لمن لا يعرفها، أحد أشهر الأماكن في الريف الفلسطيني في الآونة الأخيرة، جابت فيديوهاتها وصورها العالم كله، في صورة تعبيرية عن جمال فلسطين وأصالتها وتاريخها العريق أصبحنا نفتقدها كثيرا، خاصة أمام صور الدم وجرائم الاحتلال اليومية في غزة.
كانت السقيفة بيتا قديما مهجورا منذ قرابة خمسين عاما، على أرض قرية عارورة قضاء رام الله، قبل أن يحولها أحد شباب البلدة، الشاب خليل صالح، إلى مزار أثري تجاوز كونه مطعما أو مشروعا اقتصاديا شبابيا، ليصبح تجسيدا حقيقياً للهوية والانتماء الوطني، وحب الأرض والتعلق بفلسطين سمائها ومائها وحتى حجارة بيوتها.
وفي وقت أضفى خليل عبر عمله كحرفي جبصين وديكور داخلي، الحداثة لعشرات البيوت التي قام بتصميمها، ليصنع منها بيوتا عصرية جميلة، مواكبة للموضة وحتى للصيحات العالمية، تمسك هو نفسه بكل ما هو قديم وقيّم وعريق.
يقول في التوضيح: ما يجمع بين الاثنين هو اهتمامي بالتفاصيل، أحب التفاصيل، وأحب لمسات الجمال في الأشياء، في عملي في الديكور ما كان يميزني دوما هو الاهتمام بالتفاصيل، وحين وصلت إلى السقيفة بحلتها الحالية كنت ألاحق مواطن الجمال في بلدي.
كان مقنعا إلى حد كبير، فمن يعرف تفاصيل الجمال في بيوت أجدادنا، من الأقواس إلى الألوان الجميلة في زجاجياتها، إلى الخوابي المصنوعة من حجارة البيت نفسه، يعرف كم موطن للجمال صنعها أجدادنا بأيديهم في هذه البيوت.
وإن أردنا إعطاء البدايات حقها، لا بد أن نذكر أن مشروع السقيفة افتتحه خليل كمكان للشباب للعب “البلايستيشن”، وكان جزءا صغيرا فقط مما يضمه المشروع حاليا، ثم دفعته الظروف الاقتصادية والحاجة إلى توفير فرصة عمل لأحد الأقارب والأصدقاء، للتفكير في توسعة المشروع ليضم مطعما شعبيا لصنع الفلافل.
فاقترح عليه صاحب المكان نفسه أن يؤجره الطابق العلوي “المهجور منذ خمسين عاما”، ورغم حاجة الموقع إلى الكثير من الصيانة والتطوير إلا أن خليل لم يرفض، بل بالعكس تحمس أكثر لعراقة المكان وأصالته.
المشروع الذي انطلق قبل عامين، لم يسلم من الأثر الاقتصادي للحرب، ورغم ذلك زارته وفود أجنبية وشباب ووفود من فلسطين التاريخية، حتى أن بعض المبادرات المحلية نفذت مسارات إلى عارورة لزيارة السقيفة والتمتع بجمال الريف الفلسطيني، وخضاره ونسيمه العليل، وقضوا وقتا جميلا مع أحبائهم وأصدقائهم وعوائلهم.
الأهم أن هذا المكان الأثري لم يتوقف عند كونه مطعما ومكانا للعب البلايستيشن فحسب، فقد كبر الحلم مع الوقت، استملك خليل وصديقه بعض البيوت القديمة المجاورة للسقيفة، وعقدوا اتفاقيات مع أصحاب بيوت أخرى في المنطقة، حيث تم منحها لهم بنظام الضمان حتى يقوموا بترميمها وإعادة إعمارها.
يقول خليل: كنا قادرين نطلب المساعدة من المؤسسات التي تدعم ترميم البيوت والأماكن الأثرية، ولكن ما منعنا هو أن هذه المؤسسات تطلب الاستفادة من البيوت وتحويلها لأماكن عامة (نوادي رياضية وشبابية وغيره)، في حين أننا كشباب بحاجة لفرص عمل، لهذا السبب فضلنا أن نعمل بأنفسنا في المشروع لنتمكن من الاستفادة منه وإفادة أهل البلد لاحقا.
يطمح خليل للسقيفة أن تكون مركزا شعبيا للتسوق، يضم مقهى ومحل حلويات، ومكانا لبيع الزيت والزيتون والصابون النابلسي والمخللات وكل ما يصنعه أهالي عارورة بأيديهم، إلى جانب مساحات حرة لتنفيذ فعاليات ثقافية وشبابية تعزز الانتماء وترفع الوعي بتراث الحبيبة فلسطين.