خراريف فلسطين - “بتذكر يومها كنت قاعدة مع عماتي وستي، وكانوا يعيطوا على الأرض اللي راحت، كان يوم كتير حزين، كأننا فاقدين حدا من العيلة”.
تصف عبير يوم سيطر الاحتلال على الأرض الموجودة خلف سكة الحديد في بتير من أجل فتح شوارع التفافية، تلك الأرض هي أرض عماتها وجدتها، وقد كانت عام ١٩٨٧ عبارة عن كروم كبيرة من العنب والمشمش، والزيتون، وحول النبعة كانت مزروعة بقدونس ونعنع وباذنجان بتيري، كأنها قطعة من الجنة.
أشجار الزيتون “البيبي” الذي خلعوه يومها لم تستطع ذاكرة عبير ذي الخمس سنوات محوه أو تجاوزه، تقول بحزن: كان عمره أسبوع واحد فقط.
بتير التي لا تُنسى
حفرت ملامح بتير الجميلة صورة لا تنسى من طفولة عبير بطمة، وجعلتها أكثر ارتباطا بالأرض، فكانت حتى وهي لا تزال طالبة في المدرسة، تقضي إجازة الصيف، في زراعة الورود والاهتمام بها وسقايتها وتقليمها، كانت تلك هوايتها المفضلة.
ولم يكن مستغربا أنها اختارت الهندسة المدنية، تخصص المياه والبيئة لتدرسها في جامعة بيرزيت، وهو ما مكنها من البقاء بالقرب من الطبيعة، لتصبح لاحقا منسقة شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية، ولتقضي جل حياتها في حراسة البيئة.
من خلال عملها هذا، تقود بطمة حملات توعوية بيئية، وحملات ضغط ومناصرة بيئية، وتحاول التأثير في السياسات والرأي العام البيئي، وتعتقد أن كل ذلك ضروري ومهم جدًا في فلسطين.
كما تحاول بطمة العمل مع المجتمعات، للحد من الانتهاكات البيئية، والتقليل من أثرها على مختلف الفئات، وخاصة في المناطق المهمشة، ولكن أكثر ما تعانيه في عملها هذا، هو اضطرارها لقضاء ساعات طويلة على الطريق بين نابلس “حيث سكنت بعد أن تزوجت”، وبين رام الله “حيث تعمل”.
بعد الحرب ليس كما قبلها
تقول: قبل الحرب كنت أستمتع بالطريق، بحب المسافات الطويلة، الأماكن المفتوحة، الجبال، مشوار الصبح كان يعطيني طاقة، ومشوار الرجعة يفرغ التعب، كنت أشم ريحة اليانسون بالساوية، أشوف الخضرة والقمح بسهول نابلس.
بس سنة عن سنة، كان واضح امتداد المستوطنات، واللي بعد الحرب زاد وتسارع بشكل مخيف.
تتابع: اللي بخليني أتحمل الطريق والتعب هو حبي الكبير لشغلي، الشبكة أعطتني فرصة أشتغل بكل مجالات البيئة: مي، زراعة، طاقة متجددة، حقوق بيئية.
وتعمل بطمة في الشبكة منذ عام 2008، عندما بدأت كانت الموظفة الوحيدة، في حين تضم الشبكة اليوم 16 مؤسسة بيئية أهلية فلسطينية، وفريق من العاملين في الضفة وغزة، تقول: “بشعر أنه تعبي بالشبكة زي تعبي مع واحد من أولادي، عندي انتماء وولاء كبير إلها، لأنه فعليًا بنيتها مع الأعضاء خطوة خطوة.”
إنجازات عديدة على الساحة الدولية
من أهم انجازات الشبكة هي أنها استطاعت رصد الانتهاكات البيئية التي يتسبب بها الاحتلال في فلسطين، والحديث عنها في المحافل الدولية فالشبكة شريك محلي لسلطة جودة البيئة، ودوليًا عضو في Friends of the Earth International، وهو ما مكنها من المشاركة في العديد من المحافل الدولية، منها مجلس حقوق الإنسان في جنيف.
إلى جانب دور الشبكة في تنفيذ مبادرات بيئية في الضفة وغزة، فقد نجحت الشبكة في تنفيذ مشاريع طاقة شمسية عديدة في غزة قبل الحرب، صنفت بين أفضل ثلاث مبادرات بيئية عالميًا… تتنهد عبير: واليوم معظمها دُمّر بالحرب مع الأسف.
لدى عبير بنت (14 سنة) وولدين (11 و6 سنوات)، تأثروا جدا بعملها وأصبحوا أكثر حبا وتعلقا بالطبيعة، تحلم عبير أن ترى فلسطين بحال أفضل، وألا يعيش أولادها ما نعيشه اليوم من حرمان وتقييد في حرياتنا، وأن يأتي يوم يستمتعوا بجمال فلسطين ويتنقلوا فيها بحرية وأمان دون أن يشعروا أنهم في سجن كبير.