“مأوى الفنانين”… ملاذ للإبداع بعد عامين من الحرب

خراريف فلسطين - غزة: ميرفت عوف

يصل المخرج والفنان التشكيلي محمد حرب مقر “مأوى الفنانين” وهو يحمل حقيبة بلاستيكية، يُخرج منها سخان شاي وآخر للقهوة، ومن زاوية أخرى داخل الحقيبة يخرج أوراق وألوان الرسم التي جاء بها لطلابه.

هنا على الطابق السابع في مبنى “العودة 5″، تبدو  آثار المنخفض الأخير على مقر المأوى في كل زاوية، على الأرض التي مزقت الشظايا رخامها الفضي، وعلى الجدران المتشققة، وحتى على الكراسي الجلدية التي لُملمت من تحت الركام.

مع ذلك، يظهر المأوى بوجود مجموعة من التشكيليين الغزيين، كمساحة فريدة للإبداع نشأت في خضم الحرب لتكون ملاذاً آمناً للفنانين التشكيليين في غزة،  فهنا يستعيد الفنانون  التشكيليون حياتهم، يجتمعون لممارسة شغفهم، وتفريغ مشاعرهم، وتوثيق الواقع من خلال لوحاتهم ومنحوتاتهم.

 هي قصة عن إرادة الإبداع في مواجهة الدمار، وكيف يمكن للفن أن يخلق مساحة من الحرية والأمل حتى في أقسى الظروف.

تقتنص طالبة الفنون الجميلة “لانا” بعضا من الوقت قبل أن تبدأ راوية  “خراريف فلسطين pal stories” لقائها بمؤسس “مأوى الفنانين”، فتعرض على أستاذها “حرب” رسومات أنجرتها، ينظر التشكيلي بدقة لأعمالها فيثني عليها في واحدة ويرشدها لأخطاء في أخرى. 

الفن تحت الأنقاض

في هذه الأثناء تستعد “لانا” وزملاؤها من الفنانين التشكيليين للمشاركة في ورشة “الفن تحت الأنقاض” التي يُدرب المأوى المشاركين فيها على آلية كتابة مشاريعهم الفنية، استعدادا للمشاركة في مهرجان فني سيكون  في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو  أول معرض فني ينطلق بعد الحرب بجهود “مأوى الفنانين”.

قبيل الحرب على غزة، أخذ الفنان والمخرج الفلسطيني محمد حرب أولى خطواته لإيجاد مكان يجمعه بزملائه وطلابه من الفنانين التشكيليين، لكن قبل أن يكتمل تأثيث المكان اندلعت حرب غزة الطاحنة التي جعلت الهروب من الموت هو المحاولة الأولى والأخيرة لكل من يعيش بالقطاع أو “كيف ينجو قبل كل شيء وأي شيء” كما يقول لنا.

في المرة الأولى التي توقفت فيها الحرب (يناير 2024)، لم يمهل الاحتلال حرب وزملاءه الفنانين الكثير من الوقت من أجل البدء من جديد، فسرعان ما عادت الحرب وعاد معها كل شيء مفجع.

لوحة مقابل كيس طحين

يخبرنا حرب عن المحاولات الخجولة لبعض الفنانين الذين قاموا ببعض المبادرات الفنية خلال الحرب، يقول: في العام الثاني للحرب تدارك البعض أهمية القيام بشيء ما من أجل غزة، وهو شخصيا قام على مبادرة “قصة في خيمة” التي توثق الحياة في الخيام والمعاناة والمباني المدمرة من خلال الفيديو والصور  ثم مبادرة “لوحة مقابل كل صاروخ” التي جاءت كرد فعل وتمرد على العدوان ثم مبادرة “لوحة مقابل كيس طحين” التي كانت في ذروة المجاعة، ومقابل كل لوحة يتم شراؤها، كان المشتري يتبرع بثمن أكياس طحين ثم يقوم حرب وزملاؤه بتوزيعها  على المجوعين في غزة.

بيد أنه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما توقفت الحرب من جديد، قاوم حرب وزملاؤه الفنانون ظروفهم النفسية الصعبة من أجل البدء من جديد، فالغالبية من الفنانين التشكيليين فقدوا خلال هذه الحرب لوحاتهم ومراسمهم وأدواتهم، ونال منهم كل ما نال من أبناء غزة.

في البداية، اعتقد حرب وزملاؤه أن فكرة المأوى ستكون غير محببة لدى الكثير من الفنانين الذين لم يخرجوا بعد من وطأة الحرب، ليتفاجأ أنها كانت أولى خطوات التعافي النفسي لجموع الفنانين التشكيليين الذين انكبوا على حضور فعاليات المأوى، بل والتواجد فيه حتى  دون مناسبة، حيث اعتبر المأوى حاضنة يلتقي فيها الزملاء من أجل استعادة صحتهم النفسية وأملهم في غد افضل من جديد.

 يقول حرب إن لا شيء ينفك عن تلك الحرب حتى اسم المكان الذي اختير أن يكون “مأوى الفنانين”  هو تعبير عن حالة النزوح الذي يعاني الجميع بغزة من ويلاته، ويضيف: ” تفاجأ كثيرون بوجود مكان لا يزال يحتضن الفن، رغم كل ما عشناه خلال هذين العامين.

وجدنا إقبالا كبيرا خاصة من فئة الفنانين الذين هم في بداية مسيرتهم العملية، والذين اعتبروا المأوى مساحة آمنة ترحمهم لبعض الوقت من الخيام وأماكن النزوح الصعبة”.

“لا مصاعد في غزة”

يلتقط الفنان التشكيلي يحيي الشولي أنفاسه، بعد وصوله للمأوى الذي يتواجد في الطابق السابع، حيث لا مصاعد تعمل في غزة، ثم يشاركنا الحديث عن المأوى كواحد من القائمين على إنشائه، فيخبرنا أنه كان يتوقع أن يلجأ إلى المأوى عدد محدود من الفنانين، لكنه تفاجأ أن جميع من وصله أخبار انشاء المأوى كان على استعداد تام لقطع مسافة منهكة بسبب صعوبة المواصلات بغزة للوصول إلى المكان.

 يقول الشولي : “أنا هنا في غزة وأعلم كيف تستنفذ طاقة كل شخص يعيش في المدينة   لتوفير الضروريات الملحة للحياة بشكل يومي، لكننا وجدنا أن هناك من يريد لحظة تشبهه يمارس فيها هوايته أو عمله، .. هنا المساحة هي أولوية عند فئة كبيرة من الفنانين”.

في “مأوى الفنانين” يدور الحديث عن الأفكار والمشاريع والأحلام ومن أين يمكن البدء والتواصل مع العالم الخارجي، يحدث ذلك بينما يجلس الفنانون معا ويرسمون بكل ما توفر لديهم من أقلام وألوان عن النجاة والأمل والألم في غزة.

وهنا أيضا، تتقلص الفجوة التي عاصرها  جيل حرب، عندما كان بداية حياته العملية بين الجيل الجديد والمخضرم، حيث عمل المأوى على كسر هذه الفجوة، فهنا كل الأجيال على نفس الخط من الأمل والألم.

 يقول حرب :”في المأوى لا نهتم بالإنتاج بقدر الخروج من الحالة النفسية للفنانين، هنا يوجد فنانون حرقوا لوحاتهم خلال الحرب يأسا من أن يعودوا لفنهم، أصبحوا يأتون قبل موعد الورشة ويغادرون بعد انتهائها بوقت”.

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم