خراريف فلسطين - غزة : ميرفت عوف
في إحدى ليالي ديسمبر (كانون الأول) الباردة، فاقت آمال أبو منديل (40 عاما) على كابوسها الأكبر: انقطاع الكهرباء عن مشروع حياتها الصغير الذي وُلد من رحم الحرب.
بالنسبة لها، كان مشهد فصل الطاقة عن حاضنة البيض التي حصلت عليها من القائمين على مبادرة “غذاؤنا من أيدينا” قبل نحو شهرين مرعبا، مع ذلك تحركت بهدوء ثم أخذت بطانية ثقيلة من الصوف ولفت بها فقاستها الصغيرة وأخذت تُحصن البيض حتى ساعات الصباح إلى أن عادت الطاقة للحاضنة.
وبرغم عودة الطاقة، ظل قلب آمال “مثل النار” كما تقول لنا، ولم يهدأ إلا عندما رأت بأم عينها أول صيصان حاضنتها يزقزق حيا بين مجموع البيض. لتكون بذلك أول امرأة غزية تعود لعالم إنتاج “الدواجن”، الذي تعرض لانتكاسة كبيرة بسبب حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر\تشرين الأول من العام 2023.
منصة “خراريف فلسطين pal stories” زارت آمال داخل منزلها الكائن في مخيم المغازي (وسط قطاع غزة) للحديث عن مشروعها.
تصنع طعام دواجنها بيديها
في زاوية شرقية تشع منها شمس الضحى، جلست آمال ومن حولها ابنيها رأفت (13عاما) وعلي (11 عاما) يستخدمون طاحون القمح التراثي في هرس العدس والشعير من أجل أن تتمكن الصيصان الصغيرة التي كانت باكورة إنتاج الفقاسة خاصتهم من تناول الطعام.
إذ لا يزال الاحتلال يمنع دخول أعلاف الدواجن والدواب إلى قطاع غزة، فتواجه آمال ذلك بطحن الشعير والبقوليات التي أدخلت بكميات لمواجهة المجاعة بغزة، كما تضطر آمال لاستخدام أدوية دواجن منتهية الصلاحية بإشراف متخصصين بسبب عدم توفر الأدوية في القطاع.
مع ذلك، تبقى المشكلة الأكبر التي تواجه آمال هي عملية توفير الطاقة بغزة، حيث تستخدم بطاريات وتتحمل تكلفة الاستعانة بمولد كهربائي تجاري، لكن الأقسى عليها هو اضطرارها للاستعانة ببطارية الكرسي المتحرك الخاص بزوجها الجريح كي تشحن الفقاسة.
تحاول النهوض بمشروعها من وسط الركام
فتح الفقس الأول لتلك الحاضنة، شهية آمال نحو عمل أكبر لإعادة تشغيل حاضنات الدواجن في غزة، وترميم مزرعتها التي دمرها الاحتلال في بداية الحرب التي تسببت بتدمير 96 % من الإنتاج الحيواني في غزة. تقول آمال :”كان علي فعل شيء، فكرت في الحصول على فقاسة بيض حتى لو بدائية من أجل إنتاج الصيصان، أردت العمل على إعادة بناء سلسلة الدواجن الكاملة في غزة بعد أن دمرتها الحرب”.
بالعودة إلى الوراء، يمكن القول أن آمال دفعتها ظروف صعبة نحو التوجه للعمل الريادي الزراعي، فزوجها أصيب في العام 2014 بطلق جندي إسرائيلي متربع على حدود غزة الشرقية بينما كان يزرع في أرضه، وهو ما أدى إلى إصابته بالشلل النصفي.
في العام 2019 تحديدا، قررت آمال تغيير حياتها من أجل إنقاذ أسرتها من التدهور الاقتصادي، بدأت مشوار التعلم في العديد من الجمعيات والمؤسسات المتخصصة في مجال التأهيل الريادي الزراعي، تعلمت الكثير عن أسس هذا العمل في جمعية “أجيال المستقبل” و “مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي” ومنتدى غزة للزراعة الحضارية، بل ساقها شغفها نحو التعلم عن بعد في دولة الأردن التي حصلت منها على دبلوم القيادة والتنظيم المجتمعي.
كانت تملك مزرعة قبل الحرب.. دمرها الاحتلال
قبيل اندلاع الحرب، كانت آمال تدير مشروع تسويق البيض البلدي لدى صغار المربيات في المناطق المهمشة بغزة، تجمع البيض من النساء المربيات ثم تصنفه لبيض مخضب وغير مخضب، الأول تبيعه للفقاسات والثاني لأكبر المحلات التجارية في المنطقة الوسطى بغزة، ثم طورت مشروعها هذا وانتقلت لإنشاء مزرعة خاصة بها أنشأتها على أرض زراعية قريبة من الحدود الشرقية لمخيم المغازي مع الاحتلال.
تخبرنا آمال أن مشروعها هذا كان ينتج الدجاج البلدي في البداية، ثم طورته لتربية وإنتاج الغنم العساف، ورغم وجود تحديات كبيرة إلا أن المشروع ظل قائما إلى أن بدأت الحرب.
فمع بداية الحرب، استطاعت آمال جلب بعض أغنامها ودواجنها من المزرعة، لكن الحصار المتزامن ومنع الاحتلال دخول أعلاف الدواجن والدواب دفعها مضطرة لبيع أغنامها بثمن بخس، بينما أطعمت دواجنها لعائلتها.
تقول: “كان الأهم بالنسبة لي هو إنقاذ عائلتي التي أحاط بها الموت من كل مكان، حيث اضطررت لترك كل شيء خلفي والنزوح نحو الجنوب”، خاضت آمال رحلة قاسية دفعتها نحو العمل في التصنيع الغذائي من أجل توفير قوت أبنائها. تقول آمال:”كنت أصنع “الغريبة” وأبيعها، وبمربحها البسيط كنت أشتري طحيناً لأولادي، حيث وصل سعر الكيلو الواحد لـ 100 شيقل أثناء المجاعة على غزة”.
رغم كل التحديات، تصر آمال على حلمها: “أنا لا أبحث عن ربح كبير، بل عن الأمان والاستمرارية لمشروعي”. طموحها الآن هو التوسع وإنشاء حاضنات مجهزة، لتعيد بناء ما دمرته الحرب. قصتها ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل هي شهادة على صمود المرأة الفلسطينية التي تخلق الحياة من قلب الموت، وتثبت أن الإرادة قادرة على إعادة تشغيل “دورة الحياة” حتى في أحلك الظروف.