خراريف فلسطين - في لحظةٍ كانت الحرب فيها أسرع من الوقت، والتهجير يفوق طاقة الاحتمال، خرج مجدي ياسين، المعروف بـ«أبو ناصر»، مع عائلته من مخيم طولكرم شمالي الضفة الغربية، لم يحملوا معهم سوى ما خفّ وزنه وثقل في القلب؛ ذكريات بيتٍ ضاق فجأة حتى اختفى.
لم يكن في الانتظار مأوى، ولا جدار واحد يحمي من برد الشتاء أو من نار الاحتلال. كان القلق والحيرة هما الحاضران الوحيدان، فيما بدا المستقبل مساحة مفتوحة على المجهول.
في ذروة هذا اليأس، تذكّر أبو ناصر صديقه القديم داوود خروبة، وصيّ كنيسة طولكرم. اتصال واحد كان كافيًا ليشقّ ثغرة أمل في الجدار. لم يحتج لشرحٍ طويل؛ قال له ما حدث، فجاءه الردّ فوريًا، خاليًا من أي تردّد. يقول أبو ناصر لمنصة «خراريف فلسطين» :”بعد ما طلعنا من البيت، حكيت لداوود شو صار معنا، حكالي: خذ مفاتيح الكنيسة واقعد فيها لحد ما ربنا يفرجها”.
على أرض الكنيسة، بين أشجار الليمون والبرتقال، عاشت عائلة أبو ناصر أيام النزوح. لم تكن الكنيسة مجرّد مكانٍ يقيهم المطر، بل مساحة إنسانية كذّبت عمليًا كل السرديات التي يحاول الاحتلال ترسيخها عن الانقسام والفرز الديني في فلسطين.
هناك، تجسّدت وحدة الفلسطينيين بعيدًا عن الشعارات: بابٌ يُفتح لفلسطيني، لأنه فلسطيني. يقول أبو ناصر بحرارةٍ واضحة: “لو صاحبي داوود صار فيه نفس اللي صار معي، أكيد بفتح له بيتي. مش مهم مسلم أو مسيحي، إحنا أبناء شعب واحد وفش فرق بيننا”.
ملامح وجهه، بتجاعيدها العميقة، كانت تحكي القصة قبل الكلمات، عيونٌ أنهكها النزوح، وجسدٌ أتعبه الرحيل القسري، لكن الإرادة بقيت صلبة، يضيف بثباتٍ لا يخلو من وجع: “حتى لو بيتي تهدّم، راح أرجع أحط خيمة على ركامه. إذا سياسة الاحتلال هدفها التهجير، إحنا بنقول لا للتهجير”.
لم يكن ما حدث موقفًا إنسانيًا عابرًا، بل شهادة حيّة على معنى التسامح والوحدة في فلسطين. هنا، لم تكن الهوية الدينية يومًا سببًا للانقسام؛ الاحتلال واحد، والوجع واحد، والمصير واحد.
في كنيسة طولكرم، لم يجد أبو ناصر وعائلته مأوى فقط، بل وجدوا فلسطين كما هي فعلًا: شعب يفتح أبوابه لبعضه، مهما اشتدّ الحصار، ويرفض بأفعاله كل محاولات التهجير وكسر الصمود.
انقر هنا لمشاهدة القصة المصوّرة