“يمان”: ولد نازحاً في مدرسة إيواء

خراريف فلسطين - «لو بدي أوصف اللي صار بجملة وحدة…بحكيلك “احنا النساء تبهدلنا”، بهذه العبارة المختصرة، والمحمّلة بثقل التجربة، تلخّص النازحة روان الحسين رحلتها مع الإنجاب وسط ضجيج مدرسة إيواء تؤوي أكثر من 150 عائلة نازحة في ضاحية ذنابة، قضاء مدينة طولكرم.

مدرسةٌ تتقاسم فيها العائلات كل شيء: الغرفة، الهواء، الوجع… وحتى دورة مياه واحدة، يصطف أمامها المئات في طابور قد يمتد لساعات طويلة. تقول روان لمنصة «خراريف»:

«بعد ما أنجبت يمان، كنت أحتاج أروح كثير على دورة المياه، وكان لازم آخد دور. مرات كتيرة يوصلني الدور اليوم الثاني بعد الساعة 2 الفجر».

وليس الإنجاب وحده الصعب في مدرسة إيواء، فحتى رحلة الحمل لم تكن سهلة أبدا، تتحدث روان، وعيناها تسرحان في الفراغ، كأنهما تبحثان عن أمانٍ فُقد منذ زمن، تحكي عن احتياجات أساسية عجزت عن توفيرها لنفسها ولطفلها، وعن غياب أي متابعة صحية أو نفسية في واحدة من أكثر مراحل حياتها حساسية.

بدأت معاناة روان مع الاجتياح الذي طال مخيم طولكرم؛ أحداث ثقيلة وصور لا تُمحى من الذاكرة، تروي أنها في إحدى المرات، وبعد انسحاب قوات الاحتلال، فتحت باب بيتها لتجد جثامين شهداء ممددة عند العتبة، تقول إنها لم تستطع أن تتمالك نفسها، كانت تلك المشاهد قاسية إلى الحد الذي ترك لديها أثرًا نفسيًا عميقًا كامرأة حامل تنتظر مولودها.

ثم حان وقت النزوح، خرجت روان قسرًا برفقة زوجها وابنتيها الصغيرتين، وجنينها في أحشائها، دون أن تعرف أين ستلد، أو كيف سيكون الغد، مستقبل معلّق، وخوف يتضاعف مع كل يوم يقترب فيه موعد الولادة.

حتى جاء اليوم الموعود، أنجبت روان طفلها يمان، ثم عادت به إلى المدرسة، دون أن تتخيّل أن هذا المكان سيكون أول مأوى في حياته، وأول سقف يعرفه، ولد يمان لاجئا نازحا في حضن وطنه.

هناك، بدأت رحلة أخرى لا تقل قسوة: تربية طفل وُلد نازحًا داخل غرفة صف مهترئة، تفتقر لأدنى مقومات الصحة والخصوصية، لا أمان حقيقي؛ فآليات الاحتلال لا تزال تطاردهم، حتى داخل المدرسة، تقول روان: «لا أمان، ولا مقومات حياة، وما في خصوصية بالمرة، عندي ثلاث أطفال، ومش قادرة أربيهم زي ما لازم».

الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، والمولدات تعمل تحت ضغط دائم، والبرد يقرص حتى الجدران العارية، ترتجف روان وهي تتحدث عن أبسط احتياجات يمان: الحفاضات، الحليب، الملابس… أشياء يُفترض أن تكون متاحة، لكنها تحوّلت إلى أحلام بعيدة المنال، تحكي بصوت متعب يكاد يختنق: «أبسط المقومات ليمان مش قادرين نوفرها».

ورغم كل هذه الفصول القاسية، ترتسم على شفتيها ابتسامة حزينة، تخبرنا أن ضحكة يمان قادرة على إذابة الألم، وتخفيف ثقل الأيام على قلبها، ثم تضيف بصوت يختلط فيه الحزن: «أنا لحد هلأ بعاني من أوجاع العملية، وصار عندي مشاكل جسدية كتيرة، ومش عارفة أعالجها».

وتتابع بالقول: «كامرأة فلسطينية، إلي حق أعيش حياة أفضل من هاي… زي كل نساء العالم».

حلم روان بسيط: بيت صغير، جدران تحمي أطفالها، ومساحة آمنة تربي فيها أبناءها بكرامة، حياة أقل قسوة من غرفة صف مهجورة، تحمل بين جدرانها حكاية أمٍ أنجبت الحياة وسط كل هذا الخراب.

 

مشاركة عبر:

الأكثر مشاهدة

قصص مختارة لكم